الشيخ محمد رشيد رضا

276

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه وطاعة الرسول وقد أمر بهما معا أمرا عاما وبين جزاء المطيع وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الايمان وضعفه والصدق فيه والنفاق . ثم أمر بالقتال ، وبين مراتب الناس في الامتثال ، وبعد هذا ذكر المؤمنين بأمر الطاعة وكونها للّه تعالى بالذات ، ولغيره بالتبع ، وبين ضربا من ضروب مراوغة أولئك الضعفاء أو المنافقين فيها فقال * * * مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ أي إن الرسول هو رسول اللّه فما يأمر به من حيث هو رسول فهو من اللّه وهو العبادات والفضائل والاعمال العامة والخاصة التي تحفظ بها الحقوق وتدرء المفاسد وتحفظ المصالح فمن أطاعه في ذلك لأنه مبلغ له عن اللّه عز وجل فقد أطاع اللّه بذلك ، لان اللّه تعالى لا يأمر الناس وينهاهم الا بواسطة رسل منهم يفهمون عنهم ما يوحيه اللّه إليهم ليبلغوه عنه ، وأما ما يقوله الرسول من عند نفسه وما يأمر به مما يستحسنه باجتهاده ورأيه من الأمور الدنيوية والعادات كمسألة تأبير النخل وما يسميه العلماء أمر الارشاد فطاعته فيه ليست من الفرائض التي فرضها اللّه تعالى لأنه ليس دينا ولا شرعا عنه تعالى . وإنما تكون من كمال الأدب وقدوة الحب ، مثاله امر نبينا ( ص ) بكيل الطعام كالقمح وغيره من الحبوب أي عند اتخاذه وعند إرادة طبخه وهو من التقدير والتدبير في البيوت وأكثر المسلمين يتركونه الا من يتبع طرق المدنية الحديثة في الاقتصاد وتدبير المنزل ، ومن هذا الباب ما لا يظهر له مثل هذه الفائدة وانما كان الرسول ( ص ) يذكره بطريق الاستحسان لمناسبة تتعلق بالمخاطبين كالأمر بأكل الزيت والادهان به والامر بأكل البلح بالتمر ، فهو ما كان يقول مثل هذا باسم الرسالة والتبليغ عن اللّه عز وجل ، وكان الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم إذا شكوا في الامر هل هو عن اللّه تعالى أو من رأي الرسول ( ص ) واجتهاده وكان لهم رأي آخر سألوه فان أجابهم بأنه من اللّه أطاعوا بغير تردد وان قال إنه من رأيه ذكروا رأيهم وربما رجع ( ص ) عن رأيه إلى رأيهم كما فعل في بدر وأحد فالآية تدل على أن اللّه تعالى هو الذي يطاع لذاته لأنه رب الناس وإلههم وملكهم وهم عبيده المغمورون بنعمه وان رسله إنما تجب طاعتهم فيما يبلغونه عنه من