الشيخ محمد رشيد رضا
274
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذي أساء إليها بسوء استعماله ما لديه من المواهب وليس بسائغ له أن ينسب شيئا من ذلك إلى النبي ولا إلى غيره فان النبي أو سواه لم يغلبه على اختياره ولم يقهره على إتيان ما كان سببا في الانتقام منه « فلو عقل هؤلاء القوم لحمدوا اللّه وحمدوك ( يا محمد ) على ما ينالون من خير فان اللّه هو مانحهم ما وصلوا به إلى الخير وأنت داعيهم لالتزام شرائع اللّه وفي التزامها سعادتهم . ثم إذا أصابهم شر كان عليهم أن يرجعوا باللأئمة على أنفسهم لتقصيرهم في أعمالهم أو خروجهم عن حدود اللّه فعند ذلك يعلمون أن اللّه قد انتقم منهم للتقصير أو العصيان فيؤدبون أنفسهم ليخرجوا من نقمته إلى نعمته لان الكل من عنده وانما ينعم على من أحسن الاختيار ويسلب نعمته عمن أساءه « وقد تضافرت الآثار على أن طاعة اللّه من أسباب النعم ، وان عصيانه من مجالب النقم ، وطاعة اللّه انما تكون باتباع سننه ، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله « ولهذا النوع من التعبير نظائر في عرف التخاطب فإنك لو كنت فقيرا وأعطاك والدك مثلا رأس مال فاشتغلت بتنميته والاستفادة منه مع حسن في التصرف وقصد في الانفاق وصرت بذلك غنيا فإنه يحق لك أن تقول ان غناك انما كان من ذلك الذي أعطاك رأس المال وأعدك به للغنى . أما لو أسأت التصرف فيه وأخذت تنفق منه فيما لا يرضاه واطلع على ذلك منك فاسترد ما بقي منه وحرمك نعمة التمتع به فلا ريب أن يقال إن سبب ذلك انما هو نفسك وسوء اختيارها مع أن المعطي والمسترد في الحالين واحد وهو والدك غير أن الامر ينسب إلى مصدره الأول إذا انتهى على حسب ما يريد وينسب إلى السبب القريب إذا جاء على غير ما يحب لان تحويل الوسائل عن الطريق التي كان ينبغي أن تجري فيها إلى مقاصدها انما ينسب إلى من حولها وعدل بها عما كان يجب ان تسير اليه « وهناك للآية معنى أدق ، يشعر به ذو وجدان أرق ، مما يجده الغافلون من سائر الخلق ، وهو أن ما وجدت من فرح ومسرة وما تمتعت به من لذة حسية أو عقلية