الشيخ محمد رشيد رضا

271

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ثم قال تعالى وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وما على الرسول الا البلاغ المبين وأما الحسنات والسيئات فهي من اللّه عز وجل خلقا لموادها وأسبابها وتقديرا لتلك الأسباب بجعلها على قدر المسببات ، ومنها ان للانسان عملا في هذه الأسباب فان أحسن وأصاب كانت له الحسنة بفضل اللّه في ذلك وان أخطأ وأساء كانت له السيئة بخروجه عن تلك السنن وتقصيره في تلك الأسباب ، وليس للرسول دخل فيما يصيب الناس من الحسنات والسيئات لأنه أرسل للتبليغ والهداية لا للتصرف في نظام الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) فزعم أولئك الجاهلين ان السيئة تصيبهم من عنده أو بسببه ، وما تخيلوا من شؤمه ، لا حجة عليه من العقل ، وهو مخالف لما بين من وظيفة الرسول في النقل ، على أن هدايته جامعة لأسباب النعم فهي من يمنه لا من خلقه ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً على صحة رسالتك للناس كافة بتأييدك بآياته ، وتصديقك فيما أنذرت به المعرضين ، وبشرت به المؤمنين ، أو شهيدا بأنك لم ترسل الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ، لا مسيطرا عليهم ولا جبارا لهم ، ولا مغيرا لنظام الاجتماع فيهم ، وقيل إن المراد بالشهادة هنا الشهادة على أولئك الذين قالوا تلك الأقوال المنكرة تقدم القول بأن هذه الآيات كلها من قوله « أَ لَمْ تَرَ » إلى هنا نزلت في اليهود ، والقول بأن الذي نزل فيهم هو قوله « وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ » وما بعده إلى هنا . كان يقول هذا يهود المدينة بعد أن هاجر النبي ( ص ) إليها . وقيل إنها نزلت في المنافقين وهو يؤيد كون السياق فيهم ، وفي مرضى القلوب الذين على مقربة منهم ، لا في ضعفاء الايمان خاصة كما اختار الأستاذ الامام ، وله رحمه اللّه تعالى مقال في تفسير هاتين الآيتين وكان قد سئل عنهما فأجاب ونشرنا جوابه في المجلد الثالث من المنار ( ص 157 ) ، ويحسن أن نضعه ههنا فهو موضعه وهو : « كان بعض القوم بطرا جاهلا إذا أصابه خير ونعمة يقول إن اللّه تعالى قد أكرمه بما أعطاه من ذلك وأصدره من لدنه وساقه اليه من خزائن فضله عناية منه به لعلوّ منزلته وإذا وصل اليه شر وهو المراد من السيئة يزعم أن منبع هذا الشر