الشيخ محمد رشيد رضا
272
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأن شؤم وجوده هو ينبوع هذه السيئات والشرور . فهؤلاء الجاهلون الذين كانوا يرون الخير والشر والحسنة والسيئة يتناو بأنهم قبل ظهور النبي وبعده كانوا يفرقون بينهما في السبب الأول لكل منهما فينسبون الخير أو الحسنة إلى اللّه تعالى على أنه مصدرها الأول ومعطيها الحقيقي يشيرون بذلك إلى أنه لا يد للنبي فيه وينسبون الشر أو السيئة إلى النبي على أنه مصدرها الأول ومنبعها الحقيقي كذلك وأن شؤمه هو الذي رماهم بها وهذا هو معنى « مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » أو « مِنْ عِنْدِكَ » أي من لدنه ومن خزائن عطائه ومن لدنك ومن رزاياك التي ترمي بها الناس . فرد اللّه عليهم هذه المزاعم بقوله « قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » أي أن السبب الأول وواضع أسباب الخير والشر المنعم بالنعم والرامي بالنقم انما هو اللّه وحده وليس ليمن ولا لشؤم مدخل في ذلك فهو بيان للفاعل الأول الذي يرد اليه الفعل فيما لا تتناوله قدرة البشر ولا يقع عليه كسبهم وهو الذي كان يعنيه أولئك المشاقون عندما يقولون الحسنة من اللّه والسيئة من محمد أي أنه لا دخل لاختيارهم في الأولى ولا في الثانية وأن الأولى من عناية اللّه بهم والثانية من شؤم محمد عليهم فجاءت الآية ترميهم بالجهل فيما زعموا ولو عقلوا لعلموا ان ليس لأحد فيما وراء الأسباب المعروفة فعل ، الخير والشرّ في ذلك سواء « هذا فيما يتعلق بمن بيده الامر الاعلى في الخير والشر والنعم والنقم أما ما يتعلق بسنة اللّه في طريق كسب الخير والتوقي من الشر والتمسك بأسباب ذلك فالامر على خلاف ما يزعمون كذلك فان اللّه سبحانه وتعالى قد وهبنا من العقل والقوى ما يكفينا في توفير أسباب سعادتنا والبعد عن مساقط الشفاء فإذا نحن استعملنا تلك المواهب فيما وهبت لأجله وصرفنا حواسنا وعقولنا في الوجوه التي ننال منها الخير وذلك انما يكون بتصحيح الفكر واخضاع جميع قوانا لاحكامه وفهم شرائع اللّه حق الفهم والتزام ما حدده فيها فلا ريب في أننا ننال الخير والسعادة ، ونبعد عن الشقاء والتعاسة ، وهذه النعم انما يكون مصدرها تلك المواهب الإلهية فهي من اللّه تعالى فما أصابك من حسنة فمن اللّه لان قواك التي كسبت بها الخير واستغزرت بها الحسنات بل واستعمالك لتلك القوى انما هو من اللّه لأنك لم تأت بشيء سوى استعمال