الشيخ محمد رشيد رضا

25

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مِنَ النِّساءِ » بالحرائر المتزوجات ولكنهم لأجل ما ورد في السنة فسروا المحصنات في هذه الآية بالحرائر غير المتزوجات قالوا بدليل مقابلته بالإماء وليس بسديد فإنه في مقابلة الإماء المحصنات لا مطلقا . ثم قيدوا المحصنات هنا بقيد آخر وهو كونهن أبكارا لأنهم يعدون من تزوجت محصنة بالزواج وإن آمت بطلاق أو موت زوجها والوصف لا يفيد ذلك فان المحصنة بالزواج هي التي لها زوج يحصنها فإذا فارقها لا تسمى محصنة بالزواج كما انها لا تسمى متزوجة كذلك المسافر إذا عاد من سفره لا يسمى مسافرا والمريض إذا برئ لا يسمى مريضا . وقد قال بعض الذين خصوا المحصنات هنا بالابكار انهن قد أحصنتهن البكارة ولعمري ان البكارة حصن منيع لا تتصدى صاحبته لهدمه بغير حقه وهي على سلامة فطرتها وحياتها وعدم ممارستها للرجال وما حقه الا ان يستبدل به حصن الزوجية . ولكن ما بال الثيب التي فقدت كل واحد من الحصنين تعاقب أشد العقوبتين إذ حكموا عليها بالرجم ؟ هل يعدون الزواج السابق محصنا لها وما هو إلا إزالة لحصن البكارة وتعويد لممارسة الرجال فالمعقول الموافق لنظام الفطرة هو ان يكون عقاب الثيب التي تأتي الفاحشة دون عقاب المتزوجة وكذا دون عقاب البكر أو مثله في الأشد . وقد بلغني ان بعض الاعراب في اليمن يعاقبون بالقتل كلّا من البكر والمتزوجة إذا زنتا ولا يعاقبون الثيب بالقتل ولا بالجلد لأنهم يعدونها معذورة طبعا وان لم تكن معذورة شرعا وأما السنة فقد ثبت في الصحيحين انه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حكم برجم اليهودي واليهودية عندما تحاكم اليه اليهود في أمرهما إذ أتيا الفاحشة . والحديث صريح في أنه حكم في ذلك بنص التوراة قال العلماء ويجب اتباعه فيما حكم به مهما كان سبب الحكم لأنه لا يحكم الا بالحق واستدلوا بذلك لان الاسلام ليس شرطا في الاحصان خلافا لمن اشترطه . وروي عن ابن عباس ( رض ) أنه قال : الرجم في كتاب اللّه لا يغوص عليه الّا غواص وهو قوله تعالى ( 5 : 16 يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ) فهو يريد ان هذا مما بينه لهم وحكم به فصار مشروعا لنا . وتتمة الآية ( وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) اي مما تخفون من الكتاب .