الشيخ محمد رشيد رضا

264

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بترك القتال خشية الناس مطلقا قال « أو أشد خشية » أي بل أشد خشية أقول استنكر الأستاذ نزول الآية في بعض كبار الصحابة المشهود لهم بالجنة وما استحقوها الا بقوة الايمان ، والعمل والاذعان ، وجعلها في المبطئين على الوجه الذي اختاره فيهم وهو انهم ضعاف الايمان ( والوجه الآخر أنهم المنافقون كما تقدم ) فكيف تصدق رواية تجعل عبد الرحمن بن عوف منهم ؟ ؟ وقد روى ابن جرير عن أبي نجيح عن مجاهد انها نزلت هي وآيات بعدها في اليهود ، وروي عن ابن عباس في ذلك أنه قال في قوله تعالى « وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ » : نهى اللّه تبارك وتعالى هذه الأمة ان يصنعوا صنيعهم اه أي ان يكونوا مثل اليهود في ذلك . وإذا صح هذا فالمراد به - واللّه أعلم - الاعتبار بما جاء في سورة البقرة من قوله ( 2 : 246 أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ - إلى قوله - فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) والظاهر أن الآية في جماعة المسلمين وفيهم المنافقون والضعفاء ، ولا شك أن الاسلام كلفهم مخالفة عادتهم في الغزو والقتال لأجل الثأر ، ولأجل الحمية والكسب ، وأمرهم بكف أيديهم عن الاعتداء ، وأمرهم بالصلاة والزكاة ، وناهيك بما فيهما من الرحمة والعطف ، حتى خمدت من نفوس أكثرهم تلك الحمية الجاهلية ، وحل محلها أشرف العواطف الانسانية ، وكان منهم من يتمنى لو يفرض عليهم القتال ، ولا يبعد أن يكون عبد الرحمن بن عوف وبعض السابقين رأوا تركه ذلا وطلبوا الاذن به ، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا هم الذين أنكروه بعد ذلك خشية من الناس بل ذلك فريق آخر من غير الصادقين ، على أنه لما فرض عليهم القتال لما تقدم ذكره من الحكم والأسباب كان كرها لجمهور المسلمين كما سبق بيان ذلك في تفسير ( 2 : 216 كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) ولكن أهل العزم واليقين أطاعوا وباعوا أنفسهم للّه عز وجل فكان الفرق بين قتالهم في الجاهلية وقتالهم في الاسلام عظيما ، وأما المنافقون ومرضى القلوب فكانوا قد أنسوا وسكنوا إلى ما جاء به الاسلام من ترك القتال وكف الأيدي فنال منهم الجبن ، وأحبوا الحياة الدنيا ، وكرهوا الموت لأجلها ، وليس هذا من شأن الايمان الراسخ ، فظهر عليهم أثر الخشية والخوف من الأعداء حتى رجحوه على