الشيخ محمد رشيد رضا

265

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخشية من اللّه عز وجل وسهل عليهم مخالفته بالقعود عن القتال وهو يقول ( 3 : 175 فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) واستنكروا فرض القتال وأحبوا لو تأخر إلى أجل وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي هلا أخرتنا إلى أن نموت حتف أنوفنا بأجلنا القريب ، هكذا فسره ابن جريج ، وقال غيره المراد بالأجل القريب الزمن الذي يقوون فيه ويستعدون للقتال بمثل ما عند أعدائهم ، ويحتمل أن لا يكونوا قصدوا اجلا معينا معلوما . وانما ذكروا ذلك لمحض الهرب والتفصي من القتال كما تقول لمن يرهقك عسرا في أمر : أمهلني قليلا ، أنظرني إلى أجل قريب ، وقد أمر اللّه نبيه ( ص ) ان يرد عليهم بقوله قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ أي ان علة استنكاركم للقتال وطلبكم الإنظار فيه انما هي خشية الموت والرغبة في متاع الدنيا ولذاتها وكل ما يتمتع به في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة لأنه محدود وفان وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى لان متاعها كثير وباق لانفاد له ولا زوال ، وانما يناله من اتقى الأسباب التي تدنس النفس بالشرك وبالأخلاق الذميمة كالجبن والقعود عن نصر الحق على الباطل ، والخير على الشر ، وإذا كانت الآخرة خيرا للمتقين ، فهي شر ووبال على المجرمين ، فحاسبوا أنفسكم ، واعلموا انكم مجزيون هنالك على أعمالكم وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أي ولا تنقصون من الجزاء الذي تستحقونه بأثر أعمالكم في أنفسكم مقدار فتيل ، وهو ما يكون في شق نواة التمرة مثل الخيط أو ما يفتل بالأصابع من الوسخ على الجلد أو من الخيوط ، يضرب هذا مثلا في القلة والحقارة . وقيل لا تنقصون أدنى شيء من آجالكم ، قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي « يظلمون » على الغيبة لتقدمها والباقون « تُظْلَمُونَ » بالخطاب . ثم جاء بما يذهب بأعذارهم ، وينفخ روح الشجاعة والاقدام في المستعدين منهم ، فقال * * * أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أي ان الموت