الشيخ محمد رشيد رضا
263
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في لباب النقول . ورواه ابن جرير في تفسيره وعنده روايات أخرى أنها في أناس من الصحابة على الابهام قال الأستاذ الامام : إنني اجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها لأنني ابرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به ، وهذه الآية متصلة بما قبلها فان اللّه تعالى امر بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم وأمرهم بما أمرهم من القتال في سبيله وانقاذ المستضعفين ، ثم ذكر بعد ذلك شأنا آخر من شؤونهم وذلك ان المسلمين كانوا قبل الاسلام في تخاصم وتلاحم وحروب مستحرة مستمرة ولا سيما الأوس والخزرج فان الحروب بينهم لم تنقطع الا بالاسلام وبعد هجرة النبي صلّى اللّه تعالى عليه وسلم إليهم . امرهم الاسلام بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال إلى أن اشتدت الحاجة اليه ففرضه عليهم فكرهه الضعفاء منهم ، قال تعالى أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ الاستفهام للتعجيب منهم إذ امرهم اللّه تعالى باحترام الدماء ، وكف الأيدي عن الاعتداء ، وبإقامة الصلاة ، وبالخشوع والعبودية للّه ، وتمكين الايمان في قلوبهم ، وبإيتاء الزكاة التي تفيد مع تمكين الايمان شد أواخي التراحم بينهم ، فأحبوا أن يكتب اللّه عليهم القتال ليجروا على ما تعودوا ، فلما كتبه عليهم للدفاع عن بيضتهم ، وحماية حقيقتهم ، كرهه الضعفاء منهم ، وكان عليهم أن يفقهوا من الامر بكف الأيدي أن اللّه تعالى لا يحب سفك الدماء ، وانه ما كتب القتال الا لضرورة دفاع المبطلين المغيرين على الحق وأهله لأنهم خالفوا أباطيلهم ، واتبعوا الحق من ربهم ، فيريدون ان ينكلوا بهم ، أو يرجعوا عن حقهم ، فأين محل الاستنكار ، في مثل هذه الحال ؟ وهؤلاء هم ضعفاء المسلمين الذين ذكر انهم يبطئون عن القتال ولذلك قال إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً و « أو » هنا بمعنى « بل » أي إنهم يخشون الناس بالقعود عن قتالهم على ما فيه من مخالفة أمر اللّه تعالى ، ولما كان من شأن الذي يساوي بين اثنين في الخشية أن يميل إلى هذا تارة وإلى الآخرة تارة ، وكان هؤلاء قد رجحوا