الشيخ محمد رشيد رضا

259

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بكون قتاله في سبيل اللّه وهي سبيل الحق والعدل والخير لا في سبيل الهوى والطمع * * * وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ التفات إلى الخطاب لزيادة الحث على القتال الذي لا بد منه لكونه في سبيل الحق أي وما ذا ثبت لكم من الاعذار في حال ترك القتال حتى تتركوه ؟ أي لا عذر لكم ولا مانع يمنعكم ان تقاتلوا في سبيل اللّه ، لإقامة التوحيد مقام الشرك ، وإحلال الخير محل الشر ، ووضع العدل والرحمة ، في موضع الظلم والقسوة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ أي وفي سبيل المستضعفين ، أو وأخص من سبيل اللّه انقاذ المستضعفين ، من ظلم الأقوياء الجبارين ، وهم إخوانكم في الدين ، وقد استذلهم أهل مكة ونالوا منهم بالعذاب والقهر ، ومنعوهم من الهجرة ، ليفتنوهم عن دينهم ، ويردوهم في ملتهم ، قال الأستاذ الامام الخطاب لضعفاء الايمان من المسلمين ، لا للمنافقين ، والمستضعفون هم المؤمنون المحصورون في مكة يضطهدهم المشركون ويظلمونهم وقد جعل لهم سبيلا خاصا عطفه على سبيل اللّه مع أنه داخل فيه كما علم من تفسيرنا له ، والنكتة فيه إثارة النخوة ، وهز الاريحية الطبيعية ، وايقاظ شعور الأنفة والرحمة ، ولذلك مثل حالهم ، بما يدعو إلى نضرتهم ، فقال الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً أقول بين أنهم فقدوا من قومهم لأجل دينهم كل عون ونصير ، وحرموا كل مغيث وظهير ، فهم لتقطع أسباب الرجاء بهم ، يستغيثون ربهم ، ويدعونه ليفرج كربهم ، ويخرجهم من تلك القرية وهي وطنهم ، لظلم أهلها لهم ، ويسخر لهم بعنايته الخاصة من يتولى أمرهم ، وينصرهم على من ظلمهم ، ليهاجروا إليكم ، ويتصلوا بكم ، فان رابطة الايمان ، أقوى من روابط الانساب والأوطان ، ( وان جهل ذلك في هذا الزمان من لاحظ لهم من الاسلام ) فليكن كل منكم وليالهم ونصيرا . وقد بينا بعض ما كان عليه مشركو مكة من ظلم المسلمين وتعذيهم ، ليردوهم عن دينهم ، في تفسير ( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) من سورة البقرة حتى كان ذلك سبب الهجرة وما كل أحد قدر على الهجرة فالنبي ( ص ) وصاحبه ( رض ) هاجرا ليلا ولو ظفروا بهما لقتلوهما ان استطاعوا