الشيخ محمد رشيد رضا

260

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكانوا يصدون سائر المسلمين عن الهجرة ، ويعذبون مريدها عذابا نكرا ، وما كان سبب شرع القتال الا عدم حرية الدين ، وظلم المشركين للمسلمين ، ومع هذا كله ، وما أفاضت به الآيات من بيانه ، يقول الجاهلون والمتجاهلون ، ان الاسلام نشر بالسيف والقوة ، فأين كانت القوة من أولئك المستضعفين ؟ القتال في نفسه أمر قبيح ولا يجيز العقل السليم ارتكاب القبيح الا لإزالة شر أقبح منه ، والأمور بمقاصدها وغاياتها ، ولذلك بين القرآن في عدة مواضع حكمة القتال وكونه للضرورة وإزالة المفسدة ، وادالة المصلحة ، ولم يكتف هنا ببيان ما في هذه الآية من كون القتال المأمور به مقيدا بكونه في سبيل اللّه وهي سبيل الحق والعدل ، وانقاذ المستضعفين المظلومين من الظلم ، حتى أكده بإعادة ذكره ، مع مقابلته بضده ، وهو ما يقاتل الكفار لأجله ، فقال * * * الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ تقدم ان الطاغوت من المبالغة في الطغيان وهو مجاوزة حدود الحق والعدل والخير ، إلى الباطل والظلم والشر ، فلو ترك المؤمنون القتال - والكافرون لا يتركونه - لغلب الطاغوت وعم ، « وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ » فغلبت الوثنية المفسدة للعقول والاخلاق ، وعم الظلم بعموم الاستبداد ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ فأنتم أيها المؤمنون أولياء الرحمن ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً لأنه يزين لأصحابه الباطل والظلم والشر ، واهلاك الحرث والنسل ، فيوهمهم بوسوسته أنها خير لهم ، وفيها عزهم وشرفهم ، وهذا هو الكيد والخداع . ومن سنن اللّه في تعارض الحق والباطل ، ان الحق يعلو والباطل يسفل ، وفي مصارعة المصالح والمفاسد بقاء الأصلح ، ورجحان الأمثل ، فالذين يقاتلون في سبيل اللّه يطلبون شيئا ثابتا صالحا تقتضيه طبيعة العمران فسنن الوجود مؤيدة لهم ، والذين يقاتلون في سبيل الشيطان يطلبون الانتقام ، والاستعلاء في الأرض بغير حق ، وتسخير الناس لشهواتهم ولذاتهم وهي أمور تأباها فطرة البشر السليمة ، وسنن العمران القويمة ، فلا قوة ولا بقاء لها ، الا بتركها وشأنها ، وإرخاء العنان لأهلها ، وانما بقاء الباطل