الشيخ محمد رشيد رضا
24
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ببغائهن حتى أن عبد اللّه بن أبيّ ( رأس النفاق ) كان يكره إماءه بعد ان أسلمن على البغاء فنزل في ذلك قوله تعالى ( 24 : 33 وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) - ولما كن أيضا مظنة للزنا لذلهن وضعف نفوسهن وكونهن عرضة للانتقال من رجل إلى آخر فلم تتوطن نفوسهن على عيشة الاختصاص مع رجل واحد يرى لهن عليه من الحقوق ما تطمئن به نفوسهن في الحياة الزوجية التي هي من شأن الفطرة - لما كان ذلك كذلك جعل قيد الاحصان في جانبهن فاشترط علي من يتزوج أمة ان يتحرى أن تكون محصنة مصونة من الزنا في السر والجهر . وإذا جعلنا لفظ المحصنة مشتركا بين اسم الفاعل واسم المفعول كما تقدم عن رواة اللغة في تفسير « وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ » يكون المراد انكحوهن محصنات لكم ولأنفسهن غير مسافحات يمكنّ من أنفسهن أي طالب ، ولا متخذات أخدان وأصحاب - أو رفقاء كما يقول المصريون - تختص كل واحدة منهنّ بصاحب ثم قال فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ أي فإذا فعلن الفعلة الفاحشة وهي الزنا بعد إحصانهن بالزواج فعليهن من العقاب نصف ما على المحصنات الكاملات وهن الحرائر إذ زنين ، وهو ما بينه تعالى بقوله ( 24 : 2 الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) فالأمة المتزوجة تجلد إذا زنت خمسين جلدة واما الحرة فتجلد مئة جلدة . والحكمة في ذلك ما تقدم آنفا من كون الحرة أبعد عن دواعي الفاحشة والأمة عرضة لها وضعيفة عن مقاومتها فرحم الشارع ضعفها فخفف العقاب عنها . وإذا كان العذاب في هذه الآية هو الحد الذي بينه في تلك الآية آية الجلد كما قال المفسرون كافة وفاقا لقاعدة « القرآن يفسر بعضه بعضا » فظاهرهما ان الأمة لا تحدّ الا إذا كانت محصنة واما الحرة فظاهر آية النور انها تجلد مئة جلدة سواء كانت محصنة أم ايّما وسواء كانت الايّم بكرا أم ثيبا لان الآية مطلقة ولولا السنة لكان لذاهب أن يذهب إلى أن الآية التي نفسرها خصصت الزانية الحرة بالمحصنة للمقابلة فيها بين الإماء اللواتي أحصنّ وبين المحصنات من الحرائر وقد تقدم تفسيرهم لقوله تعالى « وَالْمُحْصَناتُ