الشيخ محمد رشيد رضا

251

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وإذا لم يهاجمنا بالفعل كنا دائما مهددين منه ، فإن لم نهدد في نفس ديارنا كنا مهددين في أطرافها ، فإذا أقمنا ديننا أو دعونا اليه عند حدود العدوّ فإنه لا بد أن يعارضنا في ذلك وإذا احتجنا إلى السفر إلى أرضه كنا على خطر . وكل هذا يدخل في قوله « خُذُوا حِذْرَكُمْ » كما قال في آية أخرى « وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ » الخ وعلى النفوس المستعدة للفهم ان تبحث في كل ما يتوقف عليه امتثال الامر من علم وعمل ويدخل في ذلك معرفة حال العدو ومعرفة أرضه وبلاده طرقها ومضايقها وجبالها وأنهارها فإننا إذا اضطررنا في تأديبه إلى دخول بلاده فدخلناها ونحن جاهلون لها كنا على خطر ، وفي أمثال العرب « قتلت أرض جاهلها » وتجب معرفة مثل ذلك من أرضنا بالأولى حتى إذا هاجمنا فيها لا يكون أعلم بها منا ويدخل في الاستعداد والحذر معرفة الأسلحة واتخاذها واستعمالها فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال فيجب تحصيل كل ذلك كما هو الشأن في هذه الأيام ، ذلك أنه اطلق الحذر . أي ولا يتحقق الامتثال الا بما تتحقق به الوقاية والاحتراز في كل زمن بحسبه . يريد رحمه اللّه تعالى انه يجب على المسلمين في هذا الزمان اتخاذ أهبة الحرب المستعملة فيه من المدافع بأنواعها والبنادق والبوارج المدرعة وغير ذلك من أنواع السلاح وآلات الهدم والبناء وكذلك المناطيد الهوائية والطيارات . وانه يجب تحصيل العلم بصنع هذه الأسلحة والآلات وغيرها وما يلزم لها ، والعلم بسائر الفنون والاعمال الحربية وهي تتوقف على ما أشار اليه من العلوم الأخر كتقويم البلدان وخرت الأرض ( قال ) وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة رضي اللّه تعالى عنهم عارفين بأرض عدوهم ، وكان للنبي ( ص ) عيون وجواسيس في مكة يأتونه بالاخبار ولما أخبروه بنقض قريش العهد استعد لفتح مكة . ولما جاء أبو سفيان لتجديد العهد فظنه انهم لم يعلموا بنكثهم لم يفلح وكان جواب النبي ( ص ) والصحابة له واحدا وقال أبو بكر لخالد يوم حرب اليمامة : حاربهم بمثل ما يحاربونك به السيف بالسيف والرمح بالرمح . وهذه كلمة جليلة ، فالقول وعمل النبي وأصحابه كل ذلك دال على أن الاستعداد يختلف باختلاف حال العدو وقوته