الشيخ محمد رشيد رضا

252

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أقول تعرض الرازي هنا لمسألة القدر وما عسي أن يقال من عدم نفع الحذر وكونه عبثا ( قال ) : وعنه قال عليه الصلاة والسّلام « المقدور كائن والهم فضل » وقيل أيضا « الحذر لا يغني من القدر » فنقول ان صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع فإنه يقال إذا كان الانسان من أهل السعادة في قضاء اللّه وقدره فلا حاجة إلى الايمان وان كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الايمان والطاعة . فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية . والتحقيق في الجواب انه لما كان الكل بقدر كان الامر بالحذر أيضا داخلا في القدر فكان قول القائل « أي فائدة في الحذر » كلاما متناقضا لأنه لما كان الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر اه كلام الرازي أقول إن المسلمين قد ابتلوا بمسألة القدر كما ابتلي بها من قبلهم وقد شفي غيرهم من سم الجهل بحقيقتها فلم يعد مانعا لهم من استعمال مواهبهم في ترقية أنفسهم وأمتهم ولما يشف المسلمون . وقد كشفنا الغطاء عن وجه المسألة غير مرة ولم نربدا مع ذلك من العود إليها في مثل هذا الموضع لا لان مثل الرازي ذكرها بل لان المسلمين أمسوا أقل الناس حذرا من الأعداء حتى أن أكثر بلادهم ذهبت من أيديهم وهم لا يتوبون ولا يذكرون ، ولا يتدبرون أمر اللّه في هذه الآية وما في معناها ولا يمتثلون ، ثم إنك إذا ذكرتهم يسلون في وجهك كلمة القدر ومثل الحديثين اللذين ذكرهما الرازي أما حديث المقدور كائن الخ فلا أذكر انني رأيته في كتب المحدثين بهذا اللفظ ولكن روى البيهقي في الشعب والقدر مرفوعا « لا تكثر همك ما قدر يكن وما ترزق يأتك » وهو ضعيف . وأما الحديث الثاني الذي عبر عنه بقوله « وقيل أيضا » فقد رواه الحاكم عن عائشة بلفظ « لا يغني حذر من قدر » وصححه وما أراه يصح وتساهل الحاكم في التصحيح معروف ، والرازي ليس من رجال الحديث ولكنه رأى بالعقل انه مخالف للآية أو مضعف من تأثير الامر فيها ، وكيف يقول اللّه « خُذُوا حِذْرَكُمْ » ويقول رسوله ان الحذر لا ينفع لان العبرة بالقدر الذي لا يتغير واني على استبعادي لصحة الحديث وميلي إلى أنه من وضع المفسدين الذين