الشيخ محمد رشيد رضا

243

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأقول إن هذه الهداية هي الهداية الرابعة التي شرحها الأستاذ في تفسير سورة الفاتحة والصراط هنا هو الصراط هناك صراط الذين أنعم اللّه عليهم المذكورين في الآية التالية . غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . وصرح بذلك في تفسير الآية * * * ( 68 : 71 ) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ( 69 : 71 ) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً * * * الصراط المستقيم في الآية السابقة هو الصراط الذي سار عليه عباد اللّه المصطفون الأخيار الذين أنعم اللّه عليهم بمعرفة الحق واتباعه وعمل الخيرات واجتناب الفواحش والمنكرات وهم الأصناف الأربعة في قوله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ الخ وكان الظاهر بادي الرأي ان يقال : ولهديناهم صراطا مستقيما ، صراط أولئك الذين أنعم اللّه عليهم . أو فكانوا مع الذين أنعم اللّه عليهم ، أو ما هو بهذا المعنى . ولكن أعيد ذكر طاعة اللّه ورسوله لأنه هو الأصل المراد في السياق الذي تكون سعادة صحبة من أنعم اللّه عليهم جزاء له . أي ان كل من يطيع اللّه تعالى ورسوله ( ص ) على الوجه المبين في الآيات من قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ - إلى قوله - وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وما قيل من أن الطاعة تصدق بامتثال أمر واحد مرة واحدة وما يبني عليه من الجواب هو مما اعتادوه من اختراع الايرادات والأجوبة عنها وان كان السياق يأباها فهذه الطاعة هي التي يدخل فيها ايثار حكم اللّه ورسوله على حكم الطاغوت من أهل الأهواء ، وهي التي علمنا بها ان العمل من أركان الايمان الصحيح أو شرط له لتوقفه على الاذعان في الظاهر والباطن لحكم اللّه ورسوله بحيث لا يكون في نفس المؤمن حرج منه ويسلم له تسليما ، ويدخل في ذلك امتثال أمر اللّه ورسوله ولو في تعريض النفس للقتل والخروج من الديار والأوطان