الشيخ محمد رشيد رضا

244

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ذهب بعض المفسرين إلى أن الصديقين والشهداء والصالحين أوصاف متداخلة لموصوف واحد فالمؤمنون الكاملون فريقان الأنبياء والمتصفون بالصفات الثلاثة وهذا وجه ضعيف . والصواب المغايرة بينهم كما هو ظاهر العطف على ما في صفاتهم من العموم والخصوص . وقد اختلفوا في تعريفهم وهاك ما لا كلفة فيه ولا جناية على اللغة ( الصديقون ) جمع صدّيق وهو من غلب عليه الصدق وعرف به كالسكير لمن غلب عليه السكر . قال الراغب الصديق من كثر منه الصدق وقيل بل يقال لمن لا يكذب قط وقيل لمن لا يتأنى منه الكذب لتعوده الصدق ، وقيل بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بقوله . قال « وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا » وقال - أي في المسيح - « وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ » وقال « مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ » فالصديقون هم قوم دوين الأنبياء في الفضيلة على ما بينت ذلك في الذريعة إلى مكارم الشريعة الأستاذ الامام : الصديقون هم الذين زكت فطرتهم ، واعتدلت أمزجتهم ، وصفت سرائرهم ، حتى أنهم يميزون بين الحق والباطل والخير والشر بمجرد عروضه لهم ، فهم يصدقون بالحق على أكمل وجه ، ويبالغون في صدق اللسان والعمل ، كما نقل عن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه انه بمجرد ما بلغته دعوة النبي ( ص ) عرف انها الحق وقبلها وصدق بها فصدق النبي في قوله وعمله أكمل الصدق ، ويليه في ذلك جميع السابقين الأولين فإنهم انقادوا إلى الاسلام بسهولة قبل أن تظهر الآيات وثمرات الايمان تمام الظهور كعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون - وعد آخرين من السابقين - ودرجة هؤلاء قريبة من مرتبة النبوة بل الأنبياء صديقون وزيادة وأقول ما نقلناه عن الراغب والأستاذ من كون الصديقية هي المرتبة التي تلي مرتبة النبوة في الكمال البشري قد صرح به كثير من العلماء وللغزالي كلام كثير فيه ولا غرو فالصدق في القول والعمل اس الفضائل ، كما أن الكذب والنفاق اس الرذائل ، واختار الأستاذ الامام أخذ الصديق من التصديق وهو المبالغة في تصديق الأنبياء وكمال الايمان بهم ، ولهذا كان أبو بكر ( رض ) صديقا . وقد