الشيخ محمد رشيد رضا

237

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقال بعضهم بل سمي الشجر شجرا لاشتجار أغصانه وتداخلها - وقيل من الشجار ( ككتاب ) وهو خشب الهودج لاشتباك بعضه في بعض ، وقيل من الشجر ( بالفتح ) وهو مفتح الفم لكثرة الكلام في الأمور التي يقع النزاع فيها ، وكل هذه المعاني مناسبة ، وتحكيمه تفويض أمر الحكم اليه ( الثانية ) قوله ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ الحرج الضيق والقضاء الحكم وزعم بعض المستشرقين من الإفرنج ان لفظ القضاء لم يكن مستعملا في صدر الاسلام الأول بمعنى الحكم وهذا من دعاويهم التي يتجرءون عليها من غير استقصاء ولا علم . والمعنى ثم تذعن نفوسهم لقضائك وحكمك فيما شجر بينهم بحيث لا يكون فيها ضيق ولا امتعاض من قبوله والعمل به . ولما كان الانسان لا يملك نفسه ان يسبق إليها الا لم والحرج إذا خسرت ما كانت ترجو من الفوز ، والحكم لها بالحق المختصم فيه ، عفا اللّه تعالى عن الحرج يفاجئ النفس عند الصدمة الأولى وجعل هذا الشرط على التراخي فعطفه بثم ، والمؤمن الكامل الايمان ينشرح صدره لحكم الرسول من أول وهلة لعلمه انه الحق وأن الخير له فيه والسعادة في الاذعان له ، فإذا كان في إيمانه ضعف مّا ضاق صدره عند الصدمة الأولى ، ثم يعود على نفسه بالذكرى وينحي عليها باللوم حتى تخشع وتنشرح بنور الايمان وايثار الحق الذي حكم به الرسول ( ص ) على الهوى ، وقيل المراد بنفي وجدان الحرج عدم الشك في حقية الحكم بأن يكون موقنا بأنه قضاء بمر الحق الذي لا شبهة فيه ، قال هذا من قاله وهو خلاف المتبادر لان وجدان القلب لا يتعلق به التكليف وقد علمت ما هو الصواب ( الثالثة ) قوله تعالى وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً التسليم هنا الانقياد بالفعل وما كل من يعتقد حقية الحكم ولا يجد في نفسه ضيقا منه ينقاد له بالفعل وينفذه طوعا وان لم يخش في ترك العمل به مؤاخذة في الدنيا واستدلوا بالآية على عصمة النبي ( ص ) من الخطأ في الحكم وغيره وذهب الرازي إلى عدم معارضة هذا بفتواه في اسرى بدر وما في معناه مما عاتبه اللّه تعالى عليه بقوله « عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ » وقوله « عَبَسَ وَتَوَلَّى » الخ وقوله « لِمَ تُحَرِّمُ