الشيخ محمد رشيد رضا

228

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هذا الصدود هو اتباع شهواتهم وألفتهم للباطل ، وعدوّ الحق يعرض عنه اعراضا شديدا * * * ( قال ) ثم أراد تعالى ان يبين سخافتهم وجهلهم وعدم طاقتهم بالثبات على هذا الصدود فقال فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ الخ أي لو عقلوا لالتزموا ما أظهروا قبوله من الاسلام وعملوا بمقتضى ما ادعوه من الايمان ليتم لهم الاستفادة منه لأن العاقل يعلم أن تلك الحال التي اختاروا فيها التحاكم إلى الطاغوت لا تدوم لهم وانه يوشك ان ينتقلوا منها فيقعوا في مصاب يضطرهم إلى الرجوع إلى النبي ( ص ) ليكشفه عنهم وأن يعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانا وتوفيقا ، كأنه يقول فكيف يفعلون إذا أطلعك اللّه على شأنهم في اعراضهم عن حكم اللّه والتحاكم إليك وتبين ان عملهم يكذب دعواهم الايمان ؟ انهم إذا يستحقون العقوبة والاذلال ليكونوا عبرة لغيرهم . وذهب أبو مسلم إلى أن في الآية بشارة بان المنافقين سيقعون في مصيبة تفضح أمرهم ، وتكشف سرهم ، وهل يتوبون حينئذ ويجيئونك أم لا ، ويقول غيره ليس المراد بذلك البشارة بشيء سيقع ، وانما هو بيان ناجز لامرهم ، وايذان بمؤاخذتهم وإذلالهم ، وإراءتهم انهم سفهاء الأحلام ، مستحقون لما يعاقبهم به النبي عليه السّلام ، أقول أشار الأستاذ رحمه اللّه تعالى في الدرس إلى اختلاف المفسرين في فهم الآية وإنما تناقلوا الخلاف فيها لأنه روي عن بعض السلف فيها فهم شاذ فتبعه بعضهم فيه وهو قول الحسن ان قوله تعالى « فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها والمعنى : رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاؤوك يحلفون باللّه الخ أي إذا دعوا إلى ما أنزل اللّه وإليك يصدون عنك في غيبتك ، ثم يجيئونك يعتذرون ويحلفون في حضرتك ، فكيف إذا أصابتهم مصيبة أي كيف يكون حال تلك المصيبة والشدة . وقال الرازي ان الواحدي قد اختار هذه الرواية ، وأقول لا عجب إذا اختارها ، وان كان النظم الكريم يتبرأ منها ، وقد خطرت في بال من هو أحسن منه فهما للكلام ، وهل عثر متقدم عثرة ولم يعثر وراءه فيها كثير من المتأخرين ولو تكلفا للعثار ، ؟ ثم إن بعضهم حمل الكلام هنا على معنى