الشيخ محمد رشيد رضا
227
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العامل بالرأي لا يسميه دينا أقل جناية على الشرع ممن يعمل بالرأي يسميه دينا ولا سيما مع وجود النص . وجملة القول انه ما كان للمسلمين ان يقبلو قول أحد أو يعملوا برأيه في شيء له حكم في كتاب اللّه أو سنة رسوله ( ص ) الثابتة ، الا فيما رخص اللّه تعالى فيه من أحكام الضرورات والحاجات وما لا حكم له فيهما فالعمل فيه برأي أولي الأمر في كل زمن بشرطه أولى من العمل دائما برأي بعض المؤلفين لكتب الفقه في القرون الخالية لأنه أقرب إلى المصلحة . هذا هو ما كان يريده رحمه اللّه تعالى في العبارة التي قالها في درسه بالأزهر وما كان يعتقده . نعم إن من يضعون الاحكام لما لا نص فيه يشترط في الاسلام ان يكونوا عالمين بالنصوص ومقاصد الشريعة وعللها حتى لا يخالفوها وليتيسر لهم رد المتنازع فيه إليها ، والأستاذ الامام يقول بهذا أيضا * * * وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً صرح في هذه الآية بما دلت عليه التي قبلها من نفاق هؤلاء الذين يرغبون عن حكم كتاب اللّه وحكم رسوله إلى حكم الطاغوت من أصحاب الأهواء وناهيك بمن فعل ذلك في عهد الرسول ( ص ) وحكمه لا يكون الا حقا ما بينت الدعوى على حقيقتها لأن الحكم بحسب الظاهر ، واما حكم غيره بشريعته فقد يقع فيه الخطأ بجهل القاضي بالحكم أو بتطبيقه على الدعوى . يقول تعالى وإذا قيل لأولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا وهم يريدون التحاكم إلى الطاغوت : تعالوا إلى ما انزل اللّه في القرآن لنعمل به ونحكمه فيما بيننا وإلى الرسول ليحكم بيننا بما أراه اللّه رأيت المنافقين أي رأيتهم وهم المنافقون - جاء بالظاهر بدل الضمير ليبين حالهم وحال أمثالهم بالنص ويبني عليه ما بعده وهو اثره - يصدون عنك صدودا أي يعرضون عنك ويرغبون عن حكمك إعراضا متعمدا منهم . وهو هنا من « صدّ » اللازم . والآية ناطقة بأن من صد واعرض عن حكم اللّه ورسوله عمدا ولا سيما بعد دعوته اليه وتذكيره به فإنه يكون منافقا لا يعتد بما يزعمه من الايمان وما يدعيه من الاسلام ، وهي حجة اللّه البالغة على المقلدين لبعض الناس فيما استبان حكمه في الكتاب والسنة ولا سيما إذا دعوا اليه ووعظوا به . قال الأستاذ الامام ان الحامل لهم على