الشيخ محمد رشيد رضا

225

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ) وقال ( 17 : 56 قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا ) وقال ( 18 : 49 بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً ) وفي هذه السورة أيضا ( 53 وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ ) وبقي آيات أخرى مستعملة هذا الاستعمال فلغة القرآن ان الزعم يستعمل في الباطل والكذب وهو يرد على الزاعمين ولا يقرهم على شيء وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ أي يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به في التنزيل الذي يزعمون أنهم آمنوا به فهذا التنزيل قد بين ذلك بنص الخطاب أو فحواه قال تعالى في سورة النحل وهي مكية ( 16 : 36 وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) الآية وهي نص في أن كل نبي أرسله اللّه تعالى قد أمر أتباعه باجتناب الطاغوت . وقال تعالى ( 2 : 255 فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) الخ الآيتين . والمعنى ان هؤلاء الزاعمين تدعي ألسنتهم الايمان باللّه وبما أنزله على رسله وتدل أفعالهم على كفرهم باللّه وايمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً قال الأستاذ الامام أي ان الشيطان الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الانسان يريد ان يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرا لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة اليه . قيل له فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين ؟ قال تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء الرجال من قبل أن نبتلى بهذه القوانين ومنفذيها فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ومنها المخالف له ؟ ونحن الآن مكرهون إلى التحاكم إلى هذه القوانين فما كان منها يخالف حكم اللّه تعالى يقال فيه أي في أهله إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ الآية . وانظر إلى ما هو موكول الينا