الشيخ محمد رشيد رضا
224
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أقول والاستفهام في قوله تعالى « أَ لَمْ تَرَ » استفهام تعجيب من أمر الذين يزعمون أنهم آمنوا ويأتون بما ينافي الايمان كما تقدم بيانه في تفسير « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ » * وأحوال الأمم تكون متشابهة لأنها مظهر أطوار البشر فالايمان الصحيح بكتب اللّه ورسله يقتضي الاتباع والعمل بما شرعه اللّه تعالى على ألسنة تلك الرسل ، وترك العمل مع الاستطاعة دليل على أن الايمان غير راسخ في نفس مدعيه فكيف إذا كان العمل بضد ما شرعه اللّه تعالى ؟ هكذا كان يدعي الايمان بموسى والتوراة جميع اليهود حتى أولئك الذين يشترون الضلالة بالهدى ويأكلون السحت ويؤمنون بالجبت والطاغوت ، وهكذا كان في مسلمي العصر الأول من يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول ( ص ) وهم مع ذلك يرغبون عن التحاكم اليه إلى التحاكم إلى الطاغوت ، وهكذا شأن الناس في كل زمان لا يكونون كلهم عدولا صادقين في ملة من الملل ، ولا يكونون كلهم منافقين أو فاسقين في ملة من الملل ، ومن العجائب ان يقال إن كل المسلمين الذين رأوا النبي ( ص ) كانوا عدولا والقرآن يصف بعضهم بمثل ما في هذه الآية ويسجل على بعضهم النفاق . والزعم في أصل اللغة القول والدعوى سواء كان ذلك حقا أم باطلا . قال أمية ابن أبي الصلت في شعر له « سينجزكم ربكم ما زعم » يريد ما وعد وأرى ان القافية اضطرته إلى استعمال هذا الحرف هنا وما هو بمكين ووعده تعالى لا يكون الا حقا . وقال الليث سمعت أهل العربية يقولون إذا قيل ذكر فلان كذا وكذا فإنما يقال ذلك لأمر يستيقن انه حق وإذا شك فيه فلم يدره لعله كذب أو باطل قيل زعم فلان كذا . وقيل الزعم الظن وقيل الكذب ، وكل هذا مأخوذ من اختلاف الاستعمال بنظر القائل إلى بعض كلام العرب دون بعض ، والذي ينظر في مجموع استعمالاتها لهذه الكلمة يجزم بأن الأكثر ان تستعمل فيما لا يجزم به وان جاز ان يكون حقا . وقال الراغب الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلين به ، وأشار إلى بعض الآيات في ذلك ونحن نزيد عليه في بيانها . قال تعالى ( 64 : 7 زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ) وقال ( 6 : 94 وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ