الشيخ محمد رشيد رضا
223
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ » الآية . واخرج ابن جرير عن الشعبي قال كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي أحاكمك إلى أهل دينك أو قال إلى النبي لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم فاختلفا واتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فنزلت اه الأستاذ الامام : الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر ان اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت الخ وذكر من سوء حالهم ووعيدهم ما ذكر ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل ، لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين اهدى سبيلا من المؤمنين ، وأمرهم بطاعة اللّه ورسوله في كل شيء وطاعة أولي الامر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطر عليهم فيه وبرد ما تنازعوا فيه إلى اللّه ورسوله في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به وبالجبت واتباعهم للهوى . وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم المنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا ومن مقتضى الايمان امتثال ما أمر به المؤمنون في الآيتين السابقتين ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة فقال أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وقد ذكر المفسرون أسبابا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت رواياتها ان نجزم بواحدة معينة منها وانما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول ( ص ) وقد تقدم أن « الطاغوت » مصدر الطغيان وهو يصدق على كل من جاءت الروايات في سبب نزول الآية . بالتحاكم إليهم ( كما قرأت آنفا ) ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب اليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق ، وكل من يتحاكم اليه من دون اللّه ورسوله ممن يحكم بغير ما انزل اللّه على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعني الطغيان الكثير ، ويدخل في هذا ما يقع كثيرا من تحاكم الخصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدعي الكشف ويخرج المحكم في الصلح وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف