الشيخ محمد رشيد رضا

185

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أولى ( وثانيها ) ان حمل الآية على طاعة الامراء يقتضي إدخال الشرط في الآية لأن طاعة الامراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق فإذا حملناه على الاجماع لا يدخل الشرط في الآية فكان هذا أولى ( وثالثها ) أن قوله من بعد « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » مشعر باجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع ( ورابعها ) ان طاعة اللّه وطاعة رسوله واجبة قطعا وعندنا ان طاعة الاجماع واجبة قطعا . وأما طاعة الامراء والسلاطين فغير واجبة قطعا بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون الا بالظلم وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف فكان حمل الآية على الاجماع أولى لأنه أدخل الرسول وأولي الامر في لفظ واحد وهو قوله « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ » فكان حمل أولي الامر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق ( وخامسها ) ان أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء والعلماء في الحقيقة أمراء الامراء فكان حمل لفظ أولي الامر عليهم « أُولِي » ( قال ) وأما حمل الآية على الأئمة المعصومين كما تقوله الروافض ففي غاية البعد لوجوه ( أحدها ) ما ذكرناه ان طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الايجاب مشروطا وظاهر قوله « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » يقتضي الاطلاق . وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال وذلك أنه أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الامر في لفظة واحدة وهي قوله « وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا ، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الامر ( الثاني ) انه تعالى أمر بطاعة أولي الامر ، وأولو الامر جمع وعندهم لا يكون في الزمان الا إمام واحد وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر ( وثالثها ) أنه قال « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » ولو كان المراد بأولي الامر الامام المعصوم لوجب ان يقال فان تنازعتم في شيء فردوه إلى