الشيخ محمد رشيد رضا
184
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثم أورد على التفسير الذي اختاره ايرادين أو سؤالين ( أحدهما ) لما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه وكان القول الذي نصرتموه خارجا عنها كان ذلك باجماع الأمة باطلا ( السؤال الثاني ) ان نقول حمل أولي الامر على الامراء والسلاطين أولى مما ذكرتم ويدل عليه وجوه ( الأول ) ان الامراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق فهم في الحقيقة أولو الامر أما أهل الاجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق فكان حمل اللفظ على الامراء والسلاطين أولى ( والثاني ) ان أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه : أما أول الآية فهو انه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل وأما آخر الآية فهو انه امر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل وهذا انما يليق بالأمراء لا بأهل الاجماع ( الثالث ) ان النبي ( ص ) بالغ بالترغيب في طاعة الامراء فقال « من أطاعني فقد أطاع اللّه ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصي اللّه ومن عصي أميري فقد عصاني » فهذا ما يمكن ذكره من السؤال على الاستدلال » ( قال ) : والجواب انه لا نزاع ان جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله « وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » على العلماء فإذا قلنا المراد منه جميع العلماء من أهل الحل والعقد لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة بل كان هذا اختيارا لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة فاندفع السؤال الأول وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة والذي ذكرناه برهان قاطع فكان قولنا أولى على انا نعارض تلك الوجوه بوجوه أخرى أقوى منها ( فأحدها ) ان الأمة مجمعة على أن الامراء والسلاطين إنما تجب طاعتهم فيما علم بالدليل انه حق وصواب وذلك الدليل ليس الا الكتاب والسنة فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة وعن طاعة اللّه وطاعة رسوله بل يكون داخلا فيه ، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة اللّه وطاعة الرسول . اما إذا حملناه على الاجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها لأنه ربما دل الاجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين فهذا