الشيخ محمد رشيد رضا

181

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وانما أخذوا هذا القيد من نصوص أخرى كحديث « لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق » وحديث « إنما الطاعة في المعروف » ) وبعضهم أطلق في الحكام فأوجبوا طاعة كل حاكم وغفلوا عن قوله تعالى « مِنْكُمْ » وقال بعضهم إنهم العلماء ولكن العلماء يختلفون فمن يطاع في المسائل الخلافية ومن يعصى ؟ وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الاحكام غير المنصوصة من الاحكام المنصوصة . وقالت الشيعة إنهم الأئمة المعصومون ، وهذا مردود إذ لا دليل على هذه العصمة ولو أريد ذلك لصرحت به الآية . ومعنى أولي الامر الذين يناط بهم النظر في أمر اصلاح الناس أو مصالح الناس ، وهؤلاء يختلفون أيضا فكيف يؤمر بطاعتهم بدون شرط ولا قيد ؟ قال رحمه اللّه تعالى إنه فكر في هذه المسألة من زمن بعيد فانتهى به الفكر إلى أن المراد بأولي الامر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين وهم الامراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منا ، وأن لا يخالفوا أمر اللّه ولا سنة رسوله ( ص ) التي عرفت بالتواتر ، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الامر واتفاقهم عليه ، وان يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لأولي الامر سلطة فيه ووقوف عليه . وأما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل هو مما يؤخذ عن اللّه ورسوله فقط ليس لأحد رأي فيه الا ما يكون في فهمه . فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا اجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة ويصح ان يقال هم معصومون في هذا الاجماع ولذلك أطلق الامر بطاعتهم بلا شرط مع اعتبار الوصف والاتباع المفهوم من الآية . وذلك كالديوان الذي أنشأه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة ( رض ) وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الامر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي ( ص ) ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك