الشيخ محمد رشيد رضا

15

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 23 : 6 إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ ) فكل فرج سواهما فهو حرام . وهذه الرواية معارضة بالروايات الصحيحة عند مسلم وغيره في أن المتعة كانت في أواخر سنيّ الهجرة وبأن الآية التي أشار إليها مكية وبما هو معلوم في التأريخ من أن المسلمين في أول الاسلام لم يكن الرجل منهم يسافر إلى البلد فيقيم فيه كما ذكر في الرواية فإنهم كانوا مضطهدين معرضين للقتل أينما ثقفوا ، نعم ان وقوع ذلك منهم ليس محالا ولكنه خلاف الظاهر ولم ترد به رواية معينة عن أحد مع أن ظاهر العبارة انه كان شائعا . فعبارة هذه الرواية تنمّ عليها وتشهد أنها لفقت في عهد حضارة المسلمين بعد الصحابة . فالانصاف ان مجموع الروايات تدل على إصرار ابن عباس ( رض ) على فتواه بالمتعة لكن على سبيل الضرورة وهو اجتهاد منه معارض بالنصوص ويقابله اجتهاد السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين والعمدة عند أهل السنة في تحريمها وجوه أولها ما علمت من منافاتها الظاهر القرآن في أحكام النكاح والطلاق والعدة إن لم نقل لنصوصه ، وثانيها الأحاديث المصرحة بتحريمها تحريما مؤبدا إلى يوم القيامة وقد جمع متونها وطرقها مسلم في صحيحه فمن أحب الاطلاع على ذلك فليرجع اليه وإلى شرح النووي له وكذا شرح الحافظ ابن حجر للبخاري ، وثالثها نهي عمر عنها في خلافته واشادته بتحريمها على المنبر واقرار الصحابة له على ذلك وقد علم أنهم ما كانوا يقرون على منكر وأنهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ ومنه ما مر في تفسير قوله تعالى وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ( ص 462 ج 4 من التفسير ) فقد خطأته امرأة فرجع إلى قولها واعترف بخطأه على المنبر ومثل هذا ينقض قول من يقول من الشيعة إنهم سكتوا تقية . وقد تعلقوا بما ورد في بعض الروايات من قول عمر ( رض ) « انا محرمها » فقالوا إنه حرمها من قبل نفسه ولا يعتد بتحريمه ولو بني ذلك على نص لذكره . وأجيب عن ذلك بأنه أسند التحريم إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما في رواية ابن ماجة وابن المنذر والبيهقي فيظهر أن من روى عنه ذلك اللفظ رواه بالمعنى فان صح انه لفظه فمعناه أنه مبين تحريمها أو منفذ له . وقد شاع عند الفصحاء والعلماء اسناد التحريم والايجاب والإباحة إلى مبين ذلك فإذا قالوا : حرم الشافعي النبيذ وأحله أو أباحه أبو حنيفة . لم يعنوا انهما شرعا ذلك