الشيخ محمد رشيد رضا

159

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والاعتدال في سياستهم وأعمالهم بسيرهم على سنن الاجتماع فيها . وهذه الآية تدل على أن سبب لعن اللّه للأمم هو إيمانها بالخرافات والأباطيل والطغيان ، وانه تعالى إنما ينصر المؤمنين باجتنابهم ذلك ، وتدل بطريق اللزوم على أن الأمم المغلوبة تكون أقرب إلى الجبت والطاغوت من الأمم الغالبة المنصورة فليحاسب المسلمون أنفسهم بها وبما في معناها من الآيات كقوله تعالى ( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) ليتبين لهم من كتاب ربهم صدقهم في دعوى الايمان من عدمه ولعلهم يرجعون اليه ويعولون في أمر دينهم ودنياهم عليه * * * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ قالوا إن « أَمْ » هنا منقطعة وهي عند جمهور البصريين للاضراب والاستفهام والمراد بالاضراب هنا الانتقال من توبيخهم على الايمان بالجبت والطاغوت وتفضيل المشركين على المؤمنين إلى توبيخهم على البخل والشح والأثرة ، واختار الأستاذ الامام ان « أَمْ » إذا وقعت في أول الكلام تكون للاستفهام المجرد ( راجع ص 311 ج 2 من التفسير ) والاستفهام هنا للانكار والتوبيخ يستفاد من قرينة المقام أي ليس لهم نصيب من الملك كما لهم نصيب من الكتاب بل فقدوا الملك كله بظلمهم وطغيانهم فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أي ولو كان لهم نصيب من الملك لسلكوا فيه طريق البخل والأثرة بحصر منافعه ومرافقه في أنفسهم فلا يعطون الناس نقيرا منه إذ ذاك . والنقير هو النقرة أو النكتة في ظهر نواة التمر وهي الثقبة التي تنبت منها النخلة شبهت بما نقر بمنقار الطائر أو منقار الحديد الذي تحفر به الأرض الصلبة والنقير كالفتيل في الآية السابقة ( 47 ) يضرب به المثل في الشيء القليل والحقير التافه . ويطلق النقير أيضا على ما نقر أي حفر من الحجر أو الخشب فجعل إناء ينبذ فيه ، وكذلك يضرب المثل بالقطمير وهي القشرة الدقيقة التي على النواة بينها وبين التمرة . وحاصل المعنى ان هؤلاء اليهود أصحاب اثرة شديدة وشح مطاع بشق عليهم ان ينتفع منهم أحد من غير أنفسهم فإذا صار لهم ملك حرصوا على منع الناس أدنى النفع واحقره فكيف لا يشق عليهم ان يظهر نبي من العرب ويكون لأصحابه ملك يخضع لهم فيه بنو إسرائيل . وهذه الصفة لا تزال غالبة على اليهود ظاهرة فيهم فان