الشيخ محمد رشيد رضا
160
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ثم لهم ما يسعون اليه من إعادة ملكهم إلى بيت المقدس وما حوله فإنهم يطردون المسلمين والنصارى من تلك الأرض المقدسة ولا يعطونهم منها نقيرا من نواة أو موضع زرع نخلة أو نقرة في أرض أو جبل ، وهم يحاولون الآن وحاولوا قبل الآن ذلك بقطع أسباب الرزق عن غيرهم فالنجار اليهودي في بيت المقدس يعمل لك العمل بأجرة أقل من الأجرة التي يرضى بها المسلم أو النصراني وان كانت أقل من أجرة المثل ، ولعل جمعياتهم السياسية والخيرية تساعدهم على ذلك ، فالدلائل متوفرة على أن القوم يحاولون امتلاك الأرض المقدسة وحرمان غيرهم من جميع أسباب الرزق فيها ، يفعلون هذا وليس لهم نصيب من الملك « هذا وما كيف لو » وهل يعود إليهم الملك كما يبغون ؟ الآية لا تثبت ذلك ولا تنفيه ، وإنما تبين ما تقتضيه طباعهم فيه لو حصل ، وسيأتي البحث في ذلك في تفسير سورة الإسراء التي تسمى أيضا ( سورة بني إسرائيل ) ويدخل في ذلك ما تقتضيه من الكثرة وهم متفرقون ومتعلقون بأموالهم في كل الممالك ، ومن الاستعداد للحرب والزراعة وقد ضعف ذلك في أكثرهم ، ولكنهم يعتقدون اعتقادا دينيا انهم سيقيمون الملك أو سوف يقيمونه في البلاد المقدسة ، وقد ادخروا لذلك مالا كثيرا فيجب على العثمانيين ان لا يمكنوا لهم في فلسطين ولا يسهلوا لهم طرق امتلاك أرضها وكثرة المهاجرة إليها فان في ذلك خطرا كبيرا كما نبهنا في تفسير الآيات السابقة من عهد قريب * * * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ الأستاذ الامام : سبق في الآيات قبل هذه ان اليهود حكموا بأن المشركين أهدى سبيلا من المؤمنين وذلك من الحسد والغرور بأنفسهم فإنهم يقولون ذلك مع أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت فهم في شر حال ، ويعيبون من هم في أحسن حال ، فاللّه تعالي يقول إن هؤلاء يريدون ان يضيق فضل اللّه بعباده ولا يحبون أن يكون لامة من الأمم فضل أكثر مما لهم أو مثله أو قريبا منه لما استحوذ عليهم من الغرور بنسبهم وتقاليدهم مع سوء حالهم فكأنه قال هل غرّر هؤلاء بأنفسهم تغريرا ، أم لهم نصيب من الملك في هذا الكون فهم يمنعون الناس فلا يؤتونهم منه نقيرا ، أم يحسدون الناس على ما أعطاهم