الشيخ محمد رشيد رضا
149
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مرتبة يقدسونها ويخضعون لها ويذلون بدافع الشعور بأنها ذات سلطة عليا فوق سنن الكون وأسبابه وان ارضاءها وطاعتها هو عين طاعة اللّه تعالى أو شعبة منها لذاتها فهذه الخلة الدنيئة هي التي كانت سبب استبداد رؤساء الدين والدنيا بالأقوام والأمم واستعبادهم إياهم وتصرفهم في أنفسهم وأموالهم ومصالحهم ومنافعهم تصرف السيد المالك القاهر بالعبد الذليل الحقير وناهيك بما كان لذلك من الاخلاق السافلة والرذائل الفاشية من الذل والمهانة والدناءة والتملق والكذب والنفاق وغير ذلك والتوحيد الذي يناقض الشرك هو عبارة عن اعتاق الانسان من رق العبودية لكل أحد من البشر وكل شيء من الأشياء السماوية والأرضية وجعله حرا كريما عزيزا لا يخضع خضوع عبودية مطلقة الا لمن خضعت لسننه الكائنات ، بما أقامه فيها من النظام في ربط الأسباب بالمسببات ، فلسننه الحكيمة يخضع ، ولشريعته العادلة المنزلة يتبع ، وإنما خضوعه هذا خضوع لعقله ووجدانه ، لا لأمثاله في البشرية واقرانه ، وأما طاعته للحكام فهي طاعة للشرع الذي رضيه لنفسه ، والنظام الذي يرى فيه مصلحته ومصلحة جنسه ، لا تقديسا لسلطة ذاتية لهم ، ولا ذلا واستخذاء لاشخاصهم ، فان استقاموا على الشريعة أعانهم ، وان زاغوا عنها استعان بالأمة فقوّمهم ، كما قال الخليفة الأول في خطبته الأولى بعد نصب الأمة له ومبايعتها إياه « وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينوني ، وان زغت فقوموني » فهكذا يجب ان يكون شأن الموحدين مع حكامهم وهكذا يكونون سعداء في دنياهم بالتوحيد كما يكونون أشقياء بالشرك الجلي أو الخفي وأما سعادة الآخرة أو شقاؤها فهو أشد وأبقى ، والمدار فيهما علي التوحيد والشرك أيضا ، ان روح الموحدين تكون راقية عالية لا تهبط بها الذنوب العارضة إلى الحضيض الذي تهوي فيه أرواح المشركين ، فمهما عمل المشرك من الصالحات تبقى روحه سافلة مظلمة بالذل والعبودية والخضوع لغير اللّه تعالى فلا ترتقي بعملها إلى المستوى الذي تنعم فيه أرواح الموحدين العالية في أجسادهم الشريفة ومهما أذنب الموحدون فان ذنوبهم لا تحيط بأرواحهم ، وظلمتها لا تعم قلوبهم ، لأنهم بتوحيد اللّه ومعرفته وعز الايمان ورفعته يغلب خيرهم على شرهم ، ولا يطول