الشيخ محمد رشيد رضا
150
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأمد وهم في غفلتهم عن ربهم ، بل هم كما قال تعالى إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ يسرعون إلى التوبة ، واتباع الحسنة السيئة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ فإذا ذهب أثر السيئة من النفس كان ذلك هو الغفران ، فكل سيئات الموحدين قابلة للمغفرة ، ولذلك قال تعالى وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ أي يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده المذنبين وانما مشيئته موافقة لحكمته ، وجارية على مقتضى سننه ، كما بينا ذلك في مواضع كثيرة من التفسير ( تراجع في الفهارس عند مادة مشيئة ) وقد أشرنا إليها آنفا بقولنا ومهما أذنب الموحدون الخ وهو بيان لما يشاء غفرانه ولسنته في ذلك ، وأما سنته تعالى فيما لا يغفره من الذنوب فتظهر من المقابلة وتلك هي الذنوب التي لا يتوب منها صاحبها ولا يتبعها بالحسنات التي تزيل أثرها السئ من النفس حتى يترتب عليه أثره السيئ في الدنيا ثم في الآخرة فان العقاب على الذنوب عبارة عن ترتب آثارها في النفس عليها كما تؤثر الحرارة في الزئبق في الانبوبة فيتمدد ويرتفع ، وتؤثر فيه البرودة فيتقلص وينخفض ، فهذا مثال سنته تعالى في تأثير الأعمال الصالحة والسيئة في نفوس البشر وجزائهم عليها كما بينا ذلك مرارا في التفسير وغيره ( راجع مادة ذنب وعقاب وجزاء في فهارس التفسير والمنار ) وقد اضطرب في فهم الآية على بلاغتها وظهورها أصحاب المقالات والمذاهب الذين جعلوا القرآن عضين فلم يأخذوه بجملته ويفسروا بعضه ببعض كالجمع بين المشيئة والحكمة والنظام بل نظروا في كل جملة على حدتها وحاولوا حملها على مقالاتهم كالمرجئة والمعتزلة والخوارج وغيرهم فهذا يقول إن الشرك وغير الشرك سواء في كونهما لا يغفران الا بعد التوبة وهذا يقول إنها دالة على عدم وجوب العقاب على الذنوب وجواز غفرانها كلها ما اجتنب الشرك وذاك يقول إنها تكون على هذا مغرية بالمعاصي مجرئة عليها ، والآية فوق ذلك تحدد ما يترتب عليه العقاب في الدنيا والآخرة حتما لإفساده للنفوس البشرية وهو الشرك وتبين ان ما عداه لا يصل إلى درجته في افساد النفس فمغفرته ممكنة تتعلق بها المشيئة الإلهية فمنه