الشيخ محمد رشيد رضا

148

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بعض الناس في التشريع كالعبادات والعقائد والحلال والحرام واثبات الشرك لليهود هنا وفي تلك الآية لا ينافي تسميتهم أهل الكتاب الذي يدخل فيه الايمان باللّه والأنبياء فإنه قال في الآية السابقة « فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا » أي إيمانا لا يعتد به إذ لا يقي صاحبه من الشرك أقول قد بينا في مواضع كثيرة من التفسير حقيقة الشرك في الألوهية وهو الشعور بسلطة وتأثير وراء الأسباب والسنن الكونية لغير اللّه تعالى وكل قول وعمل ينشأ عن ذلك الشعور ، والشرك في الربوبية وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين والحلال والحرام عن بعض البشر دون الوحي وهذا النوع من الشرك هو الذي أشار الأستاذ الامام إلى تفسير النبي ( ص ) لآية التوبة به وهي قوله تعالى في أهل الكتاب كلهم ( 9 : 32 اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) فسر النبي ( ص ) اتخاذهم أربابا بطاعتهم واتباعهم في أحكام الحلال والحرام كما ذكرنا غير مرة ، فهذا إثبات لطروء الشرك على أهل الكتاب وان لم يجعل ذلك عنوانا لهم في القرآن لأنه ليس من أصل دينهم وليميزهم عن مشركي الوثنيين ، وبينا أيضا ان الشرك في الألوهية والربوبية قد سرى منذ قرون كثيرة إلى بعض المسلمين حتى عرفت طوائف منهم بنبذ الاسلام البتة كطوائف الباطنية ( راجع مباحث الشرك في ص 57 و 68 - 76 و 354 - 360 من جزء التفسير الثاني وفي ص 24 و 45 و 325 و 347 من جزئه الثالث و 82 من جزئه الخامس وفي غير هذه المواضع من التفسير والمنار ) وباثبات الشرك لأهل الكتاب تظهر مناسبة وضع هذه الآية بين هذه الآيات في محاجتهم ودعوتهم إلى الاسلام كأنه يقول لا يغرنكم انتماؤكم إلى الكتب والأنبياء وقد هدمتم أساس دينهم بالشرك الذي لا يغفره اللّه بحال من الأحوال اما الحكمة في عدم مغفرة الشرك فهي أن الدين انما شرع لتزكية نفوس الناس وتطهير أرواحهم وترقية عقولهم والشرك هو منتهى ما تهبط اليه عقول البشر وأفكارهم ونفوسهم ومنه تتولد جميع الرذائل والخسائس التي تفسد البشر في أفرادهم وجمعياتهم لأنه عبارة عن رفعهم لافراد منهم أو لبعض المخلوقات التي هي دونهم أو مثلهم إلى