الشيخ محمد رشيد رضا
144
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الإلهي أي جنسه على ألسنة أنبيائهم أو التوراة خاصة آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ منه من تقرير التوحيد الخالص واتقاء الشرك كله صغيره وكبيره واثبات النبوة والرسالة وما يغذي ذلك الايمان ويقويه من ترك الفواحش والمنكرات وعمل الصالحات أي مصدقا لما معكم من أصول الدين وأركانه التي هي المقصد من ارسال جميع الرسل لا يختلفون فيها وانما يختلفون في طرق حمل الناس عليها وهدايتهم بها وترقيتهم في معارجها بحسب سنة اللّه في ارتقاء البشر بالتدريج جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن كما أن العدل هو المقصد من جميع الحكومات وانما تختلف الدول في القوانين المقررة له باختلاف أحوال الأمم ، فليس من العقل ولا الصواب ان تنكر الأمة تغيير حاكم جديد لبعض ما كان عليه من قبله إذا كان يوافقه في جعله مقررا للعدل مقيما لميزانه بين الناس كما كان أو أكمل ، وفي هذه الحال يسمى مصدقا لما قبله لا مكذبا ولا مخالفا ، فالقرآن قرر نبوة موسى وداود وسليمان وعيسى وصدقهم فيما جاؤوا به عن اللّه تعالى ووبخ الأقوام المدعين لاتباعهم على إضاعتهم لبعض ما جاؤوا به وتحريفهم للبعض الآخر ، وعلى عدم الاهتداء والعمل بما هو محفوظ عندهم ، حتى أن أكثرهم هدموا الأساس الأعظم للدين وهو التوحيد فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه والمسيح ابن مريم وما أمروا الا ليعبدوا إلها واحدا كما سيأتي في سورة التوبة ويذكر أيضا في تفسير الآية الآتية - فتصديق القرآن لما معهم لا ينافي ما نعاه عليهم من الإضاعة والنسيان والتحريف والتفريط مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي آمنوا من قبل أن ننزل بكم هذا العقاب وهو طمس الوجوه وردها على أدبارها ، فالطمس في اللغة هو إزالة الأثر بمحوه أو خفائه كما تطمس آثار الدار واعلام الطرق بنقل حجارتها أو بالرمال تسفوها الرياح عليها ومنه « ربنا اطمس على أموالهم » أي أزلها وأهلكها والطمس على الأعين في قوله « وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ » يصدق بإزالة نورها وبغؤورها ومحو حدقتها وكذلك طمس النجوم ، والوجه يطلق على وجه البدن ووجه النفس