الشيخ محمد رشيد رضا
145
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهو ما تتوجه اليه من المقاصد ومنه « أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ » وقوله « وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ » وقوله « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً » والأدبار جمع دبر « بضمتين » وهو الخلف والقفا ، والارتداد على الأدبار هو الرجوع إلى الوراء يستعمل في الحسيات والمعنويات فمن الأول الارتداد عن الأدبار في القتال وهو الفرار منه ومن الثاني « إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ » فظاهر معنى العبارة هنا : آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم إليها في كيد الاسلام ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء باظهار الاسلام ونصره عليكم وفضيحتكم فيما تأتونه باسم الدين والعلم الذي جاء به الأنبياء ، وقد كان لهم عند نزول الآية شيء من المكانة والمعرفة والقوة ، فهذا ما نفسرها به على جعل الطمس والرد على الأدبار معنويين وبه قال مجاهد ولكن أوجز فقال نطمس وجوها عن صراط الحق فنردها على أدبارها في الضلالة ، وقال السدي نزلت في مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع قال ومعناه فنعميها عن الحق ونرجعها كفارا ، وقال الضحاك يعني أن نردهم عن الهدى والبصيرة فقد ردهم على أدبارهم فكفروا بمحمد ( ص ) وما جاء به . وظاهر كلام هؤلاء ان المخاطبين بهذه الآية هم الذين كانوا على ما يعتقدون انه الحق من التوراة وانهم كانوا معذورين عند اللّه فيما هم عليه كأنهم الذين قال فيهم « وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » فحذرهم من إرجاء الايمان والتسويف به أن يطول عليهم العهد فيصعب عليهم الايمان ويضعف استعدادهم لقبوله بتعلق قومهم بهم وغرورهم هم بجاههم فيهم وجعل ذلك بعضهم حسيا ظاهر يا فقال المعنى نطمس آثارهم من الحجاز ونردهم على ادبارهم بالجلاء إلى فلسطين والشام وهي بلادهم التي جاؤوا الحجاز منها ورواه ابن زيد عن أبيه . وروي عن ابن عباس ان المراد جعل وجوههم في أقفيتهم وفهم من رواه عنه انه تهديد بالمسخ وقالوا أنه يكون في آخر الزمان أو في الآخرة أو هو مقيد بعدم ايمان أحد من أولئك المخاطبين وقد آمن بعضهم والوجه الذي قررناه