الشيخ محمد رشيد رضا
143
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ أي لو أنهم قالوا سمعنا قولك وأطعنا أمرك ، واسمع ما نقول وانظرنا أي أمهلنا وانتظرنا ولا تعجل علينا ، يقال نظره بمعني انتظره وهو كثير في القرآن ، أو انظر الينا نظر رعاية ورفق لكان خيرا لهم وأقوم مما قالوه لما فيه من الأدب والفائدة وحسن العاقبة وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم وأبعدهم عن الصواب بسبب كفرهم أي مضت سنته في طباع البشر وأخلاقهم ان يمنع الكفر صاحبه من مثل هذه الروية والأدب ، ويجعله طريدا لا يدلي إلى الخير والرحمة بحبل ولا سبب ، فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا من الايمان لا يعتد به إذ لا يصلح عمل صاحبه ولا يزكي نفسه ولا يرقي عقله ولو كان إيمانهم بكتابهم ونبيهم كاملا لكان خير هاد لهم إلى الايمان بمن جاء مصدقا لما معهم من الكتاب ومهيمنا عليه يبين ما نسوا منه وما حرفوا فيه ، ثم إنه جاء باصلاح جديد في اتمام مكارم الأخلاق ونظام الاجتماع وسائر مقاصد الدين فمن كان على شيء من الخير وجاءه زيادة فيه لا يكون الا مغبوطا بها حريصا على الاستفادة منها - أو لا يؤمنون الا قليلا منهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه فان الأمة مهما فسدت لا يعم الفساد جميع أفرادها بل تغلب سلامة الفطرة على أناس يكونون هم السابقين إلى كل إصلاح جديد ، هكذا كان وهكذا يكون فهي سنة من سنن اللّه في الاجتماع ، وقد نبهنا من قبل على دقة القرآن في الحكم على الأمم إذ يحكم على الأكثر فإذا عمم الحكم يستثني وهي دقة لم تعهد في كلام البشر * * * ( 46 : 49 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ، وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا خاطبهم في هذه الآية بالذين أوتوا الكتاب كما تقدم آنفا في تفسير أوتوا نصيبا من الكتاب فذاك نعي عليهم بما أضاعوا وحرفوا ، وهذا إلزام لهم بما حفظوا وعرفوا ،