الشيخ محمد رشيد رضا

142

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سمعنا قولك ولكن لا نطيعك ، ويقولون له أيضا « اسمع غير مسمع » قال المفسرون ان هذا دعاء عليه زاده اللّه تكريما وتشريفا ومعناه لا سمعت أو لا أسمعك اللّه ، وهذا في مكان الدعاء المعتاد من المتأدبين للمخاطب : لا سمعت مكروها ، أو لا سمعت أذى ، وقيل معناه غير مقبول ما تقول وهذا مروي عن مجاهد . وقال الأستاذ الامام يحتمل أن يكون المعنى واسمع شيئا لا يستحق أن يسمع ، وأما « راعِنا » فقد روي أن اليهود كانوا يتسابون بكلمة « راعينا » العبرانية أو السريانية فسمعوا بعض المؤمنين يقولون للنبي ( ص ) راعنا من المراعاة أو بمعنى أرعنا سمعك فافترصوها وصاروا يلوون ألسنتهم بالكلمة ويصرفونها إلى المعنى الآخر لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ فيجعلونها في الظاهر راعنا وبليّ اللسان وإمالته « راعينا » ينوون بذلك الشتم والسخرية أو جعله راعيا من رعاء الشاء أو من الرعن والرعونة ، قال في الكشاف ( فان قلت ) كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا ( قلت ) جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء ويجوز ان يقولوه فيما بينهم ويجوز أن لا ينطقوا بذلك ولكنهم لما لم يؤمنوا جعلوا كأنهم نطقوا به اه ، وقد تقدم شرح ذلك في تفسير ( 2 : 103 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا ) من سورة البقرة وبينا هنالك ان الأستاذ الامام لم يرتض ما قالوه في كون هذه الكلمة سبا بالعبرانية واختار في تعليل النهي عنها انها لما كانت من المراعاة وهي تقتضي المشاركة نهوا عنها تأديبا لهم إذ لا يليق ان يقولوا للنبي ( ص ) أرعنا نرعك كما هو معنى المشاركة كما نهوا أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض ( قال ) وهناك وجه آخر يقال في اللغة : راعى الحمار الحمر ، إذا رعى معها فكان اليهود يحرفون الكلمة إلى هذا المعنى وان كان فيها سبّ لأنفسهم على حدّ « اقتلوني ومالكا » ، ومن تحريف اللسان وليه في خطابهم للنبي ( ص ) قولهم في التحية « السام عليكم » يوهمون بفتل اللسان وجمجمته انهم يقولون السّلام عليكم وقد ثبت هذا في الصحيح وانه كان عليه السّلام بعد العلم بذلك يجيبهم بقوله « وعليكم » أي كل أحد يموت