الشيخ محمد رشيد رضا
133
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال . وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم للّه والذل له والانكسار ما هو أحب العبادات اليه وأنفعها للعبد ولذلك يستحب للساجد ان يترب وجهه للّه وان لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وقاية فقال ترب وجهك . وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرجلين . وأيضا فموافقة ذلك القياس من وجه آخر وهو ان التيمم جعل في العضوين المغسولين وسقط من العضوين الممسوحين فان الرجلين تمسحان في الخف والرأس في العمامة فلما خفف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو إذ لو مسحا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما بل كان فيه انتقال من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب فظهر ان الذي جاءت به الشريعة هو أعدل الأمور وأكملها وهو الميزان الصحيح واما كون تيمم الجنب كتيمم المحدث فلما سقط مسح الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى إذ في ذلك من المشقة والحرج والعسر ما يناقض رخصة التيمم ويدخل أكرم المخلوقات على اللّه في شبه البهائم إذا تمرغ في التراب فالذي جاءت به الشريعة لا مزيد في الحسن والحكمة والعدل عليه وللّه الحمد اه وقال الشعراني في الميزان في وجه قول الشافعي واحمد لا يجوز التيمم الا بالتراب أو برمل فيه غبار وقول أبي حنيفة ومالك بجوازه بالحجارة وجميع اجزاء الأرض حتى النبات عند مالك أقول وكذا الثلج والجليد في رواية ما نصه : « ووجه الأول قرب التراب من الروحانية لان التراب هو ما يحصل من عكارة الماء الذي جعل اللّه منه كل شيء حي فهو أقرب شيء إلى الماء بخلاف الحجر فان أصله الزائد الصاعد على وجه الماء فلم يتخلص للمائية ولا للترابية فكان ضعيف الروحانية على كل حال بخلاف التراب . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول إنما لم يقل الشافعي وغيره بصحة التيمم بالحجر مع وجود التراب لبعد الحجر عن طبع الماء وروحانيته فلا يكاد يحيي العضو الممسوح ولو سحق لا سيما أعضاء أمثالنا التي ماتت من كثرة المعاصي والغفلات وكل الشهوات . وسمعته مرة