الشيخ محمد رشيد رضا

113

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الأستاذ الامام : أمر اللّه تعالى في الآيات السابقة بعبادته وترك الشرك به وبالاحسان للوالدين وغيرهم وتوعد الذين لا يقومون بهذه الأوامر والنواهي وقد عرفنا من سور أخرى أن اللّه تعالى يأمر بالاستعانة بالصلاة على القيام بأمور الدين وتكاليفه كما قال ( 2 : 153 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) وقال ( 2 : 238 إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) وقال ( 70 : 18 إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) وقد كثر في القرآن الامر بالصلاة لا بالصلاة هكذا مطلقا بل بإقامتها وإنما إقامتها القيام بها على الوجه الأكمل وهو أن ينبعث المؤمن إليها بباعث الشعور بعظمة اللّه وجلاله ويؤديها بالخشوع له تعالى فهذه الصلاة هي التي تعين على القيام بالأوامر وترك النواهي ولذلك جاء ذكرها ههنا عقب تلك الأوامر والنواهي الجامعة ، وقد ذكرت الصلاة في القرآن بأساليب مختلفة وذكرت ههنا في سياق النهي عن الاتيان بها في حال السكر الذي لا يتأتى معه الخشوع والحضور مع اللّه تعالى بمناجاته بكتابه وذكره ودعائه فالمراد بالصلاة حقيقتها لا موضعها وهو المساجد كما قال الشافعية والنهي عن قربانها دون مطلق الاتيان بها لا يدل على إرادة المسجد إذ النهي عن قربان العمل معروف في الكلام العربي وفي التنزيل خاصة ( 17 : 32 وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى ) والنهي عن العمل بهذه الصيغة يتضمن النهي عن مقدماته ومن مقدمات الصلاة الإقامة فقد سنها اللّه لنا لاعدادنا للدخول في الصلاة - وقال بعض المفرقين الذين يحملون القرآن على مذاهبهم المستحدثة ان الآية تدل على جواز بل وقوع التكليف بالمحال إذ وجه الامر إلى السكران وهو لا يعي الخطاب . والجواب عنه من وجوه ( أحدها ) أن الخطاب موجه إلى المسلم قبل السكر بأن يجتنبه إذا ظن أنه ينتهي به إلى التلبس بالصلاة في أثنائه فهو أمر بالاحتياط واجتناب السكر في أكثر الأوقات . أقول سيأتي ما يؤيده من العبارة ولذلك قال العلماء ان هذه الآية تمهيد لتحريم السكر تحريما قطعيا لا هوادة فيه . فان من يتقي أن يجيء عليه وقت الصلاة وهو سكران يترك الشرب عامة النهار وأول الليل لانتشار الصلوات الخمس في هذه