الشيخ محمد رشيد رضا
8
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لا جنس الشجر الكبير الذي يعم المثمر . ومثل الثياب الذي أوردناه آنفا أشبه بما نحن فيه وقوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ معناه أحل لكم ما وراء ذلكم لأجل أن تبتغوه أو إرادة أن تبتغوه أي تطلبوه بأموالكم أو المعنى أحله لكم أن تبتغوه أي أحل لكم طلبه بأموالكم تدفعونها مهرا للزوجة قيل أو ثمنا للأمة وهو يقتضي انه يجب قصد إحصان الأمة كما يجب قصد إحصان الزوجة لقوله مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فان الحال قيد للعامل وحذف مفعول محصنين ليفيد العموم اي محصنين أنفسكم ومن تطلبونها بمالكم باستغناء كل منكما بالآخر عن طلب الاستمتاع المحرم فان الفطرة تسوق كل ذكر بداعية النسل إلى الاتصال بأنثى وكل أنثى إلى الاتصال بذكر ليزدوجا وينتجا والإحصان عبارة عن الاختصاص الذي يمنع هذه الداعية الفطرية أن تذهب كل مذهب فيتصل كل ذكر بأية امرأة واتته وكل امرأة بأي رجل واتاها بأن يكون غرض كل منهما المشاركة في سفح الماء الذي تفرزه الفطرة لإيثار اللذة على المصلحة فان مصلحة البشر أن تكون هذه الداعية الفطرية سائقة لكل فرد من أفراد أحد الجنسين لأن يعيش مع فرد من الجنس الآخر عيشة الاختصاص لتتكوّن بذلك البيوت ويتعاون الزوجان على تربية أولادهما . فإذا انتفى قصد هذا الإحصان انحصرت طاعة الداعية الفطرية في قصد سفح الماء وذلك هو الفساد العام الذي لا تنحصر مصائبه في مجموع الأمة . وهذه أمة فرنسا قد قلّ فيها النكاح وكثر السفاح بضعف الدين في عاصمتها ( باريس ) وأمهات مدنها فقلّ نسلها ووقف نماؤها وفنك النساء ومسن الرجال وضعفت الدولة فصارت دون خصمها حتى اضطرت إلى الاعتزاز بمخالفة دولة مضادة لها في شكل حكومتها ومدنيتها وهي الدولة الروسية ولولا الثروة الواسعة والعلوم الزاخرة والسياسة المبنية على أصول علم الاجتماع والعمران لأسرع إليها الهلاك كما أسرع إلى الأمم التي كثر مترفوها ففسقوا فيها فحق عليها القول الثابت في سنة الاجتماع فدمرها اللّه تدميرا ، وما أراها الا أول دولة تسقط في أوروبا إذا ظل هذا الكفر والفسق على هذا النماء فيها