ابن قيم الجوزية
109
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكاً شديداً قال فقلت : يا رسول الله إنك لتوعك وعكاً شديداً قال : ( أجل اني لأوعك كما يوعك رجلان منكم فقلت : إن لك لأجرين قال : نعم والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه به خطاياه كما تحط الشجرة اليابسة ورقها ) . وفي الصحيحين أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت الوجع أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وفي بعض المساند مرفوعاً : أن الرجل لتكون له الدرجة عند الله لا يبلغها بعمل حتى يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك . ويروي عن عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم : ( إذا اشتكى المؤمن أخلصه ذلك من الذنوب كما يخلص الكير الخبث من الحديد ) . وفي صحيح البخاري من حديث خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة فقلنا : إلا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال : ( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون . وفي لفظ للبخاري : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا : ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه فقال : ( لقد كان الرجل ليمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه ) . وقد حمل أهل العلم قول خباب : ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا ) على هذا المحمل وقال : شكوا إليه حر الرمضاء الذي كان يصيب جباههم وأكفهم من تعذيب الكفار فلم يشكهم وانما دلهم على الصبر وهذا الوجه أنسب