ابن قيم الجوزية

30

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

وقيل : ( الصبر المقام على البلاء بحسن الصحة كالمقام مع العافية ) ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر وصحبة البلاء بالصبر . وقال عمرو بن عثمان المكي : ( الصبر هو الثبات مع الله وتلقى بلائه بالرحب والدعة ) ومعنى هذا أنه يتلقى البلاء بصدر واسع لا يتعلق بالضيق والسخط والشكوى . وقال الخواص : ( الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة ) . وقال رويم : ( الصبر ترك الشكوى ) فسره بلازمه . وقال غيره : ( الصبر هو الاستعانة بالله ) . وقال أبو علي : ( الصبر كاسمه ) . وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( الصبر مطية لا تكبو ) . وقال أبو محمد الجريري : ( الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما ) . قلت : وهذا غير مقدور ولا مأمور فقد ركب الله الطباع على التفريق بين الحالتين وانما المقدور حبس النفس عن الجزع لا استواء الحالتين عند العبد وساحة العافية أوسع للعبد من ساعة الصبر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء المشهور : ( إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي ) .