ابن قيم الجوزية
31
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( وما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ) فان هذا بعد نزول البلاء ليس للعبد أوسع من الصبر وأما قبله فالعافية أوسع له . وقال أبو علي الدقاق : ( حد الصبر أن لا يعترض على التقدير ) فأما اظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر قال الله تعالى في قصة أيوب : ( انا وجدناه صابراً ) ( سورة ص : 44 ) مع قوله : ( مسني الضر ) ( الأنبياء : 83 ) قلت : فسر اللفظة بلازمها . وأما قوله : ( على غير وجه الشكوى ) فالشكوى نوعان : أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب : ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) ( يوسف : 86 ) مع قوله : ( فصبر جميل ) ( يوسف : 18 83 ) وقال أيوب : ( مسني الضر ) مع وصف الله له بالصبر وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه : ( اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي ) الخ وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه : ( اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك ) . والنوع الثاني - شكوى المبتلي بلسان الحال أو المقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى إليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما إن شاء الله تعالى .