ابن قيم الجوزية

62

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

ترك السجود للصنم لم يكن كماله في مجرد هذا الترك ما لم يسجد لله وإلا فلو ترك السجود لله وللصنم لم يكن ذلك كمالاً وكذلك لو ترك تكذيب الرسول ومعاداته لم يكن بذلك مؤمناً ما لم يفعل ضد ذلك من التصديق والحب وموالاته وطاعته فعلم أن الكمال كله في المأمور وأن المنهى ما لم يتصل به فعل المأمور لم يفد شيئاً ولم يكن كمالاً فإن الرجل لو قال للرسول : لا أكذبك ولا أصدقك ولا أواليك ولا أعاديك ولا أحاربك ولا أحارب من يحاربك لكان كافراً ولم يكن مؤمناً بترك معاداته وتكذيبه ومحاربته ما لم يأتِ بالفعل الوجودي الذي أمر به . السادس عشر : إن العبد إذا أتى بالمأمور به على ترك المنهي عنه ولا بد فالمقصود انما هو فعل المأمور ومع فعله على وجه يتعذر فعل المنهي فالمنهي عنه في الحقيقة هو تعريض المأمور للإضاعة فإن العبد إذا فعل ما أمر به من العدل والعفة وامتنع من صدور الظلم والفواحش منه فنفس العدل يتضمن ترك الظلم ونفس العفة تتضمن ترك الفواحش فدخل ترك المنهي عنه في المأمور به ضمناً وتبعاً وليس كذلك في عكسه فإن ترك المحظور لا يتضمن فعل المأمور فإنه قد يتركهما معاً كما تقدم فعلم أن المقصود هو إقامة الأمر على وجهه ومع ذلك لا يمكن ارتكاب النهي البتة وأما ترك المنهي عنه فإنه يستلزم إقامة الأمر . السابع عشر : إن الرب تعالى إذا أمر عبده بأمر ونهاه عن أمر ففعلهما جميعاً كان قد حصل محبوب الرب وبغيضه فقد تقدم له من محبوبه ما يدفع عنه شر بغيضه ومقاومته ولا سيما إذا كان فعل ذلك المحبوب أحب إليه من ترك ذلك البغيض فيهب له من جنايته ما فعل من هذا بطاعته ويتجاوز له عما فعل من الآخر ونظير هذا في الشاهد أن يقتل الرجل عدواً للملك هو حريص لي قتله وشرب مسكراً نهاه عن شربه فإنه يتجاوز له عن هذه الزلة بل عن أمثالها في جنب ما أتى به من محبوبه وأما إذا ما ترك محبوبه وبغيضه فإنه لا يقوم ترك بغيضه بمصلحة فعل محبوبه أبدا كما إذا أمر الملك عبده بقتل عدوه ونهاه عن شرب مسكر فعصاه في قتل عدوه مع قدرته عليه وترك شرب المسكر فإن الملك لا يهب له جرمه بترك أمره في جنب ترك ما نهاه عنه وقد فطر الله عباده على هذا فهكذا السادات مع عبيدهم والآباء مع أولادهم والملوك مع جندهم