ابن قيم الجوزية

63

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

والزوجات مع أزواجهم ليس الترك منهم محبوب الأمر ومكروهه بمنزلة الفاعل منهم محبوب أمره ومكروهه . يوضحه الوجه الثامن عشر : أن فاعل محبوب الرب يستحيل أن يفعل جميع مكروهه بل يترك من مكروهه بقدر ما أتى به من محبوبه فيستحيل الاتيان بجميع مكروهه وهو يفعل ما أحبه وأبغضه فغايته أنه اجتمع الأمران فيحبه الرب تعالى من وجه ويبغضه من وجه أما إذا ترك المأمور به جملة فإنه يقم به ما يحبه الرب عليه فإنه مجرد ترك المنهى لا يكون طاعة إلا باقترانه بالمأمور كما تقدم فلا يحبه على مجرد الترك وهو سبحانه يكرهه ويبغضه على مخالفة الأمر فصار مبغوضاً للرب تعالى من كل وجه إذ ليس ما يحبه الرب عليه فتأمله . يوضحه الوجه التاسع عشر : وهو أن الله سبحانه لم يعلق محبته إلا بأمر وجودي أمر به إيجاباً أو استحباباً ولم يعلقها بالترك من حيث هو ترك ولا في موضع واحد فإنه يحب التوابين ويحب المحسنين ويحب الشاكرين ويحب الصابرين ويحب المتطهرين ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص ويحب المتقين ويحب الذاكرين ويحب المتصدقين فهو سبحانه انما علق محبته بأوامره إذ هي المقصود من الخلق والأمر كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ( الذاريات : 56 ) فما خلق الخلق إلا لقيام أوامره وما نهاهم إلا عما يصدهم عن قيام أوامره ويعوقهم عنها . يوضحه الوجه العشرون : أن المنهيات لو لم تصد عن المأمورات وتمنع وقوعها على الوجه الذي أمر الله بها لم يكن للنهي عنها معنى وانما نهى عنها لمضادتها لأوامرها فهو بمنزلة تنظيف طرق الماء ليجري في مجاريه غير معوق فالأمر بمنزلة تنظيف طرقه ومجراه وتنقيتها مما يعوق الماء والنهي بمنزلة الحمية الحافظة للقوة والداء والخادم لها .