ابن قيم الجوزية

58

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

رخص في ترك بعض المأمورات للعجز والعذر قالوا : ولهذا كانت عامة العقوبات من الحروب وغيرها على ارتكاب المنهيات بخلاف ترك المأمور فإن الله سبحانه لم يرتب عليه حداً معيناً فأعظم المأمورات الصلاة وقد اختلف العلماء هل على تاركها حدٌ أم لا ؟ . فهذا بعض ما احتجت به هذه الطائفة وقال طائفةٌ أخرى : بل الصبر على فعل المأمور أفضل وأجل من الصبر على ترك المحظور لأن فعل المأمور أحب إلى الله من ترك المحظور والصبر على أحب الأمرين أفضل وأعلى وبيان ذلك من وجوه : أحدها : أن فعل المأمور مقصود لذاته فهو مشروع شرع المقاصد فإن معرفة الله وتوحيده وعبوديته وحده والإنابة إليه والتوكل عليه واخلاص العمل له ومحبته والرضا به والقيام في خدمته هو الغاية التي خلق لها الخلق وثبت بها الأمر وذلك أمر مقصود لنفسه والمنهيات إنما نهي عنها لأنها صادرة عن ذلك أو شاغلة عنه أو مفوتة لكماله ولذلك كانت درجاتها في النهي بحسب صدها عن المأمور وتعويقها عنه وتفويتها لكماله فهي مقصودة لغيرها والمأمور مقصود لنفسه فلو لم يصد الخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة وعن التواد والتحاب الذي وضعه الله بين عباده لما حرمه وكذلك لو لم يحل بين العبد وبين عقله الذي به يعرف الله ويعبده ويحمده ويمجده ويصلي له ويسجد لما حرمه وكذلك سائر ما حرمه إنما حرمه لأنه يصد عما يحبه ويرضاه ويحول بين العبد وبين إكماله . الثاني : إن المأمورات متعلقة بمعرفة الله وتوحيده وعبادته وذكره وشكره ومحبته والتوكل عليه والإنابة إليه فمتعلقها ذات الرب تعالى وأسماؤه وصفاته ومتعلق المنهيات ذوات الأشياء المنهى عنه والفرق من أعظم ما يكون . الثالث : إن ضرورة العبد وحاجته إلى فعل المأمور أعظم من ضرورته إلى ترك المحظور فإنه ليس إلى شيء أضر وأحوج وأشد فاقة منه إلى معرفة ربه وتوحيده واخلاص العمل له وإفراده وضرورته إلى