ابن قيم الجوزية
59
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
ذلك أعظم من ضرورته إلى نفسه ونفسه وحياته أعظم من ضرورته إلى غذائه الذي به قوام بدنه بل هذا لقلبه وروحه كالحياة والغذاء لبدنه وهو إنما هو إنسان بروحه وقلبه لا ببدنه وقالبه كما قيل : يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته * فأنت بالقلب لا بالجسم إنسان وترك المنهي إنما شرع له تحصيلاً لهذا الأمر الذي هو أضر شيء وأحوجه وأفقره إليه . الرابع : إن ترك المنهي من باب الحمية وفعل المأمور من باب حفظ القوة والغذاء الذي لا تقوم البنية بدونه ولا تحصل الحياة إلا به فقد يعيش الإنسان مع تركه الحمية وإن كان بدنه عليلاً أشد ما يكون علة ولا يعيش بدون القوة والغذاء الذي يحفظها مثل المأمورات والمنهيات . الخامس : إن الذنوب كلها ترجع إلى هذين الأصلين : ترك المأمور وفعل المحظور ولو فعل العبد المحظور كله من أوله إلى أخره حتى أتى من مأمور الإيمان بأدنى أدنى مثقال ذرة منه نجا بذلك من الخلود في النار ولو ترك كل محظور ولم يأتي بمأمور الإيمان لكان مخلداً في السعير فأين شيء مثاقيل الذر منه تخرج من النار إلى شيء وزن الجبال منه أضعافاً مضاعفة تقتضي الخلود في النار مع وجود ذلك المأمور أو أدنى شيء منه . السادس : أن جميع المحظورات من أولها إلى أخرها تسقط بمأمور التوبة ولا تسقط المأمورات كلها معصية المخالفة إلا بالشرك أو الوفاة عليه ولا خلاف بين الأٌمة أن كل محظور يسقط بالتوبة منه واختلفوا هل تسقط الطاعة بالمعصية وفي المسألة نزاع وتفاصيل ليس هذا موضعه . السابع : أن ذنب الأب كان بفعل المحظور وكان عاقبته أن اجتباه ربه فتاب عليه وهدى وذنب إبليس كان بترك المأمور فكان عاقبته ما ذكر الله سبحانه وجعل هذا عبرة للذرية إلى يوم القيامة .