ابن قيم الجوزية

57

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

قيل : هذا موضع تنازع فيه الناس فقالت طائفة : الصبر عن المخالفات أفضل لأنه أشق وأصعب فان أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن المخالفات إلا الصديقون قالوا : ولأن الصبر عن المحرمات صبر على مخالفة هوى النفس وهو أشق شيء وأفضله . وقالوا : ولأن ترك المحبوب الذي تحبه النفوس دليل على أن من ترك لأجله أحب إليه من نفسه وهواه بخلاف فعل ما يحبه المحبوب فإنه لا يستلزم ذلك قالوا : وأيضاً فالمروة والفتوة كلها في هذا الصبر قال الإمام أحمد : ( الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى ) فمروة العبد وفتوته بحسب هذا الصبر . قالوا : وليس العجب ممن يصبر على الأوامر فإن أكثرها محبوبات للنفوس السليمة لما فيها من العدل والإحسان والإخلاص والبر وهذه محاب للنفوس الفاضلة الزكية بل العجب ممن يصبر عن المناهي التي أكثرها محاب النفوس فيترك المحبوب العاجل في هذه الدار للمحبوب الآجل في دار أخرى والنفس موكلة بحب العاجل فصبرها عنه مخالف لطبعها . قالوا : ولأن المناهي لها أربعة دواع تدعو إليها : نفس الانسان وشيطانه وهواه ودنياه فلا يتركها حتى يجاهد هذه الأربعة وذلك أشق شيء على النفوس وأمره . قالوا : فالمناهي من باب حمية النفوس عن مشتهياتها ولذاتها والحمية مع قيام داعي التناول وقوته من أصعب شيء وأشقه قالوا : ولذلك كان باب قربان النهي مسدوداً كله وباب الأمر انما بفعل منه المستطاع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ) فدل على أن باب المنهيات أضيق من باب المأمورات وأنه لم يرخص في ارتكاب شيء منه كما