ابن قيم الجوزية

54

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ) ( الأحزاب : 7 ) وكذلك قال ابن عباس وغيره من السلف ونهاه سبحانه أن يتشبه بصاحب الحوت حيث لم يصبر صبر أولي العزم فقال : ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ) ( القلم : 48 ) . وهاهنا سؤال نافع وهو أن يقال : ما العامل في الظرف وهو قوله : ( إذ نادى ) ولا يمكن الفعل المنهي عنه إذ يصير المعنى : لا تكن مثله في ندائه وقد أثنى الله سبحانه عليه في هذا النداء فأخبر أنه نجاه به فقال : ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) ( الأنبياء : 87 - 88 ) وفي الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( دعوة أخي ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) فلا يمكن أن ينهي عن التشبه به في هذه الدعوة وهي النداء الذي نادى به ربه وإنما نهى عن التشبه به في السب الذي أفضى به إلى هذه المناداة وهي مغاضبته التي أفضت به إلى حبسه في بطن الحوت وشدة ذلك عليه حتى نادى ربه وهو مكظوم والكظيم والكاظم : الذي قد امتلأ غيظاً وغضباً وهما وحزنا وكظم عليه فلم يخرجه . فان قيل : وعلى ذلك فما العامل في الظرف ؟ . قيل : ما في صاحب الحوت من معنى الفعل . فإن قيل : فالسؤال بعد قائم فإنه إذا قيد النهي بقيد أو زمن كان داخلاً في حيز النهي فإن كان المعنى لا تكن مثل صاحب الحوت في هذه الحال أو هذا الوقت كان نهياً عن تلك الحالة . قيل : لما كان نداؤه مسبباً عن كونه صاحب الحوت فنهى أن يشبه به في الحال التي أفضت به إلى صحبته الحوت والنداء وهي ضعف العزيمة والصبر