ابن قيم الجوزية

55

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

لحكمه تعالى ولم يقل تعالى : ولا تكن كصاحب الحوت إذ ذهب مغاضباً فالتقمه الحوت فنادى بل طوى القصة واختصرها وأحال بها على ذكرها في الموضع الآخر واكتفى بغايتها وما انتهت إليه . فإن قيل : فما منعك بتعويض الظرف بنفس الفعل المنهي عنه - أي لا تكن مثله في ندائه وهو ممتلئ غيظاً وهما وغماً - بل يكون نداؤك نداء راض بما قضى عليه قد تلقاه بالرضا والتسليم وسعة الصدر لا نداء كظيم . قيل : هذا المعنى وإن كان صحيحاً إلا أن النهي لم يقع عن التشبه به في مجرده وانما نهى عن التشبه به في الحال التي حملته على ذهابه مغاضباً حتى سجن في بطن الحوت ويدل عليه قوله تعالى : ( فاصبر لحكم ربك ) ثم قال : ( ولا تكن كصاحب الحوت ) أي في ضعف صبره لحكم ربه فإن الحالة التي نهى عنها هي ضد الحالة التي أمر بها . فإن قيل : فما منعك أن تصبر حيث أمر بالصبر لحكمه الكوني القدري الذي يقدره عليه ولا تكن كصاحب الحوت حيث لم يصبر عليه بل نادى وهو كظيم لكشفه فلم يصبر على احتماله والسكون تحته . قيل : منع من ذلك أن الله سبحانه أثنى على يونس وغيره من أنبيائه بسؤالهم إياه كشف ما بهم من الضر وقد أثنى عليه سبحانه بذلك في قوله : ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) ( الأنبياء : 87 88 ) فكيف ينهى عن التشبه به فيما يثنى عليه ويمدحه به وكذلك أثنى على أيوب بقوله : ( مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) ( الأنبياء : 83 ) وعلى يعقوب بقوله : ( انما أشكوا بثي وحزني إلى الله ) ( يوسف : 86 ) وعلى موسى بقوله : ( رب اني لما أنزلت إلى من خير فقير ) ( القصص : 24 ) وقد شكا الله خاتم أنبيائه ورسله بقوله : ( اللهم أشكو إليك ضعف