ابن قيم الجوزية
340
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
يطاع فيشكر ، وطاعته من توفيقه وفضله ، ويعصى فيحلم ، ومعصية العبد من ظلمه وجهله ، ويتوب إليه فاعل القبيح فيغفر له ، حتى كأنه لم يكن قط من أهله ؛ إن ربنا لغفور شكور . الحسنة عنده بعشر أمثالها ، أو يضاعفها بلا عدد ولا حسبان ، والسيئة عنده بواحدة ومصيرها إلى العفو والغفران ، وباب التوبة مفتوح لديه منذ خلق السماوات والأرض إلى آخر الزمان ، إن ربنا لغفور شكور . بابه الكريم مناخ الآمال ومحط الأوزار ، وسماء عطاء لا تقلع عن الغيث ، بل هي مدرار ، ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ؛ إن ربنا لغفور شكور . لا يلقى وصاياه إلا الصابرون ، ولا يفوز بعطاياه إلا الشاكرون ، ولا يهلك عليه إلا الهالكون ، ولا يشفي بعذابه إلا المتمردون ؛ إن ربنا لغفور شكور . فإياك أيها المتمرد أن يأخذك على غرة ؛ فإنه غيور . وإذا أقمت على معصيته ، وهو يمدك بنعمته ، فاحذره ؛ فإنه لم يهملك ، لكنه صبور . وبشراك أيها التائب بمغفرته ورحمته ؛ إنه غفور شكور . من علم أن الرب شكر وتنوع في معاملته ، ومن عرف أنه واسع المغفرة تعلق بأذيال مغفرته ، ومن علم أن رحمته سبقت غضبه لم ييأس من رحمته ؛ إن ربنا لغفور شكور . من تعلق بصفة من صفاته ، أخذته بيده حتى تدخله عليه . ومن سار إليه بأسمائه الحسنى وصل إليه . ومن أحبه أحب أسمائه وصفاته ، وكانت آثر شيء لديه . حياة القلوب في معرفته ومحبته ، وكمال الجوارح في التقرب إليه بطاعته ، والقيام بخدمته ، والألسنة بذكره ، والثناء عليه بأوصاف مدحه . فأهل شكره أهل زيادته ، وأهل ذكره أهل مجالسته ، وأهل طاعته أهل كرامته ، وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته ، إن تابوا فهو حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فهو طبيبهم ، يبتليهم بأنواع المصائب ؛ ليكفر عنهم الخطايا ؛ ويطهرهم من المعائب ؛ إنه غفور شكور .