ابن قيم الجوزية
339
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين
أعطاه ما يشكر عليه ، ثم يشكره على إحسانه إلى نفسه لا على إحسانه إليه ، ووعده على إحسانه لنفسه أن يحسن جزاءه ويقربه لديه ، وأن يغفر له خطاياه إذا تاب منها ولا يفضحه بين يديه ، إن ربنا لغفور شكور . وثقت بعفوه هفوات المذنبين فوسعتها ، وعكفت بكرمه آمال المحسنين فما قطع طعمها ، وخرقت السبع الطباق دعوات التائبين والسائلين فسمعها ، ووسع الخلائق عفوه ومغفرته ورزقه ؛ فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، ويعلم مستقرها ومستودعها ؛ إن ربنا لغفور شكور . يجود على عبيده بالنوافل قبل السؤال ، ويعطي سائله ومؤمله فوق ما تعلقت به منهم الآمال ، ويغفر لمن تاب إليه ولو بلغت ذنوبه عدد الأمواج والحصى والتراب والرمال ؛ أن ربنا لغفور شكور . أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأفرح بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا وجدها ، وأشكر للقليل من جميع خلقه ؛ فمن تقرب إليه بمثقال ذرة من الخير شكرها وحمدها ، إن ربنا لغفور شكور . تعرف إلى عباده بأسمائه وأوصافه ، وتحبب إليهم بحلمه وآلائه ، ولم تمنعه معاصيهم بأن جاد عليهم بآلائه ، ووعد من تاب إليه وأحسن طاعته بمغفرة ذنوبه يوم لقائه ؛ إن ربنا لغفور شكور . السعادة كلها في طاعته ، والأرباح كلها في معاملته ، والمحن والبلايا كلها في معصيته ومخالفته ؛ فليس للعبد أنفع من شكره وتوبته ؛ إن ربنا لغفور شكور . أفاض على خلقه النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة ، وضمن الكتاب الذي كتبه : * ( إن رحمته تغلب غضبه ) * إن ربنا لغفور شكور .