ابن قيم الجوزية

330

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

كقوله : ( وكان الله عليما حليما ) ، و ( الله عليم حليم ) . وفي أثر أن حملة العرش أربعة : اثنان يقولان : ( سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك ) واثنان يقولان : ( سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ) فإِن المخلوق يحلم عن جهل ويعفو عن عجز والرب تعالى يحلم مع كمال علمه ويعفو مع تمام قدرته وما أضيف شئ إلى شئ أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى اقتدار ولهذا كان في دعاء الكرب وصفه سبحانه بالحلم مع العظمة وكونه حليماً من لوازم ذاته سبحانه . وأما صبره سبحانه فمتعلق بكفر العباد وشركهم ومسبتهم له سبحانه وأنواع معاصيهم وفجورهم فلا يزعجه ذلك كله إلى تعجيل العقوبة بل يصبر على عبده ويمهله ويستصلحه ويرفق به ويحلم عنه حتى إذا لم يبق فيه موضع للضيعة ولا يصلح على الامهال والرفق والحلم ولا ينيب إلى ربه ويدخل عليه لا من باب الاحسان والنعم ولا من باب البلاء والنقم أخذه أخذ عزيز مقتدر بعد غاية الأعذار إليه وبذل النصيحة له ودعائه إليه من كل باب وهذا كله من موجبات صفة حلمه وهي صفة ذاتية له لا تزول . وأما الصبر فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التي توجد الحكمة وتزول بزوالها فتأمله فإِنه فرق لطيف ما عثرت الحذاق بعشره وقل من تنبه له ونبه عليه وأشكل على كثير منهم هذا الإِسم وقالوا : لم يأت في القرآن فأعرضوا عن الاشتغال به صفحاً ثم اشتغلوا بالكلام في صبر العبد وأقسامه ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقه لعلموا أن الرب تعالى أحق به من جميع الخلق كما هو أحق باِسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحي وسائر أسمائه الحسنى من المخلوقين وأن التفاوت الذي بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذي بين حياته وحياتهم وعلمه وعلمهم وسمعه وأسماعهم كذا سائر صفاته .